فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِنَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ ، وَهَكَذَا نَسْتَنْبِطُ مِنْ هَذَا النَّصِّ عِلَّةً أُخْرَى ، فَنَقُولُ: كُلُّ مَنْ قُتِلَ بِزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ ، قُتِلَ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ كَالرَّجُلِ . وَمِنْهُ عِلَّةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ بِالنَّفْسِ قَوَدًا ، قُتَلَ بِالرِّدَّةِ حَدًّا كَالرَّجُلِ ، فَيَكُونُ تَعْلِيلُ النَّصِّ فِي الثَّلَاثَةِ مُسْتَمِرًّا . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يُسْتَبَاحُ بِهِ قَتْلُ الرَّجُلِ ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِهِ قَتْلُ الْمَرْأَةِ كَالزِّنَا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوَلَدَانِ: فَهُوَ أَنَّ خُرُوجَهُ عَلَى سَبَبٍ ، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ ، فَقَالَ: لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ . فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَرْبِيَّاتِ . فَإِنْ قِيلَ: النَّهْيُ عَامٌّ فَلِمَ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ ؟ قِيلَ: لَمَّا عَارَضَهُ قَوْلُهُ:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبِهِ ، وَحَمْلُ الْآخِرِ عَلَى عُمُومِهِ: لِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ إِمَارَاتِ التَّخْصِيصِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَهُوَ أَنَّهُ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى هَذَا كَذَّابٌ يَضَعُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الثِّقَاتِ . وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَنْكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، فَسَكَتَ وَتَغَيَّرَ . وَأَنْكَرَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَمَا كَانَ بِهَذَا الضَّعْفِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدِّينِ أَصْلًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّبِيِّ: فَهُوَ انْتِقَاضُهُ بِالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِالرِّدَّةِ ، وَلَا يُقْتَلُونَ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ: لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الرِّدَّةُ . وَأَمَّا جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْكَافِرَةِ الْحَرْبِيَّةِ فَمُنْكَسِرٌ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ لَا يُقْتَلُونَ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَيُقْتَلُونَ بِالرِّدَّةِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْحَرْبِيَّةِ أَنَّهَا مَالٌ مَغْنُومٌ ، وَلَيْسَتِ الْمُرْتَدَّةُ مَالًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَقْنِ دَمِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فَكَذَلِكَ بِالرِّدَّةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ .