فهرس الكتاب

الصفحة 6149 من 8432

وَإِنِ امْتَنَعُوا فَاقْتُلْهُمْ . فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُ . وَلِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حُدُوثِ الرِّدَّةِ أَنَّهُ لِاعْتِرَاضِ شُبْهَةٍ ، فَلَمْ يَجُزِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَتْلِ قَبْلَ كَشْفِهَا وَالِاسْتِتَابَةِ مِنْهَا ، كَأَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ ، وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ . فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ . وَأَمَّا الزِّنَا فَالتَّوْبَةُ لَا تُزِيلُهُ ، وَهِيَ تُزِيلُ الرِّدَّةَ ، فَلِذَلِكَ اسْتُتِيبَ مِنَ الرِّدَّةِ ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ مِنَ الزِّنَا .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِاسْتِتَابَتِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ استتابة المرتد وحكمها ، فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ: لِأَنَّ وُجُوبَ الِاسْتِتَابَةِ يُوجِبُ حَظْرَ دَمِهِ قَبْلَهَا ، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونِ الدَّمِ لَوْ قُتِلَ قَبْلَهَا ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ ، أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ وَاجِبَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْخَبَرِ وَالْأَثَرِ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِتَابَةَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ فِي حُكْمِ إِبْلَاغِ الدَّعْوَةِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ ، وَإِبْلَاغُ الدَّعْوَةِ وَاجِبَةٌ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِتَابَةُ . وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ إِقْلَاعُهُ عَنْ رِدَّتِهِ ، وَالِاسْتِتَابَةُ أَخَصُّ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهَا مِنَ الْقَتْلِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ أَوْجَبَ مِنْهُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ حُكْمُ الِاسْتِتَابَةِ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، فَهَلْ يُعَجَّلُ قَتْلُهُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّوْبَةِ أَوْ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ استتابة المرتد ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ - أَنَّهُ يُعَجَّلُ قَتْلُهُ وَلَا يُؤَجَّلُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْظَارَ ، فَيُؤَجَّلُ ثَلَاثًا: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يُؤَجَّلْ فِيهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُنْظَرُ مَا كَانَ يَرْجُو التَّوْبَةَ . وَدَلِيلُ تَأْجِيلِهِ ثَلَاثًا: قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أُخْبِرَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ، اللَّهُمَّ لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ . . . الْخَبَرَ . وَلِأَنَّ اللَّهَ قَضَى بِعَذَابِ قَوْمٍ ، ثُمَّ أَنْظَرَهُمْ ثَلَاثًا فَقَالَ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هُودٍ: 65 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت