فهرس الكتاب

الصفحة 6170 من 8432

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ بِالْقَتْلِ ، فَمُوَسَّعٌ لَهُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ ، وَبَيْنَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ اسْتِدْفَاعًا لِلْقَتْلِ . فَقَدِ أَكْرَهَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَوَيْهِ عَلَى الْكُفْرِ ، فَامْتَنَعَ مِنْهُ أَبَوَاهُ فَقُتِلَا ، وَتَلَفَّظَ عَمَّارٌ بِالْكُفْرِ فَأُطْلِقَ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَذَرَ عَمَّارًا وَتَرَحَّمَ عَلَى أَبَوَيْهِ . وَقِيلَ: إِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [ النَّحْلِ: 106 ] . فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى بِهِ ؟ قِيلَ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُكْرَهِ . فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَجَّى مِنْهُ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ أَوِ الْقِيَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَسْتَدْفِعَ الْقَتْلَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ . وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَرِيهِ مِنْ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فِي الدِّينِ ، أَوْ يَمْتَنِعُ بِهِ مَنْ أَرَادَ الْإِسْلَامَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَالْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرُ عَلَى الْقَتْلِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ . رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَقَصْرًا لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ مُحَكَّمٌ فِي نَفْسِهِ . فَقِيلَ: إِنَّ الْمُحَكَّمَ: هُوَ الَّذِي يُخَيَّرُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ ، فَيَخْتَارُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ . فَإِنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ المكره على الكفر ، فَلَهُ فِي التَّلَفُّظِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لِلْإِيمَانِ بِقَلْبِهِ ، فَهُوَ عَلَى إِسْلَامِهِ ، وَلَيْسَ لِتَلَفُّظِهِ حُكْمٌ إِلَّا اسْتِدْفَاعَ الْقَتْلِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [ النَّحْلِ: 106 ] ، وَهَذَا مُطْمَئِنُّ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ مُعْتَقِدًا لَهُ بِقَلْبِهِ ، فَهَذَا مُرْتَدٌّ: لِأَنَّهُ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّلَفُّظِ فَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الِاعْتِقَادِ ، فَصَارَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا أَيْ يَسْقُطُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ بِالِاعْتِقَادِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ اعْتِقَادُ إِيمَانٍ وَلَا كُفْرٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ عَلَى إِسْلَامِهِ: لِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنَ الْإِكْرَاهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُرْتَدًّا حَتَّى يَدْفَعَ حُكْمَ لَفْظِهِ بِمُعْتَقَدِهِ: لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت