فهرس الكتاب

الصفحة 6184 من 8432

وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَدَ وَغَرَّبَ إِلَى فَدَكٍ . وَجَلَدَ عُمَرُ وَغَرَّبَ إِلَى الشَّامِ . وَجَلَدَ عُثْمَانُ وَغَرَّبَ إِلَى مِصْرَ . وَجَلَدَ عَلِيٌّ وَغَرَّبَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ عُمَرُ حِينَ غَرَّبَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهُ أَحَدًا . وَقَالَ عَلِيٌّ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ غَرَّبُوا تَعْزِيرًا يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ حَدًّا مَحْتُومًا . قِيلَ: أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَا أَنْفِي بَعْدَهُ أَحَدًا ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي شَارِبِ خَمْرٍ نَفَاهُ فَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالرُّومِ ، وَالنَّفْيُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ تَعْزِيرٌ يَجُوزُ تَرْكُهُ ، وَهُوَ فِي الزِّنَا حَدٌّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ . وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ:"كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً". فَيَعْنِي: عَذَابًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذَّارِيَاتِ: 13 ] ، أَيْ يُعَذَّبُونَ . وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ عُقُوبَةٌ تَقَدَّرَتْ عَلَى الزَّانِي شَرْعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَدًّا كَالْجَلْدِ ، وَلِأَنَّ الزِّنَا مَعْصِيَةٌ تُوجِبُ حَدًّا أَعْلَى وَهُوَ الرَّجْمُ ، وَأَدْنَى وَهُوَ الْجَلْدُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِأَدْنَاهَا غَيْرُهُمَا ، كَالْقَتْلِ يُوجِبُ أَعْلَى وَهُوَ الْقَوَدُ ، وَأَدْنَى وَهُوَ الدِّيَةُ ، وَاقْتَرَنَ بِهَا الْكَفَّارَةُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ كُلَّ مَا وَجَبَ بِالْقُرْآنِ ، وَالتَّغْرِيبُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْقُرْآنِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ عِنْدَنَا لَا تَكُونُ نَسْخًا ، وَلَوْ كَانَتْ نَسْخًا لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ هَاهُنَا نَسْخًا: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّنَا قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا وَإِنِ اخْتَلَفْنَا فِي حُكْمِهَا ، فَجَعَلُوهَا تَعْزِيرًا وَجَعَلْنَاهَا حَدًّا . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ نَسْخًا إِذَا تَأَخَّرَتْ ، وَالتَّغْرِيبُ هَاهُنَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [ النِّسَاءِ: 15 ] ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النُّورِ: 2 ] ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ النَّسْخِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَغْرِيبِهَا مَعَ ذِي الْمَحْرَمِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَغْرِيبِهَا تَعْزِيرًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَغْرِيبِهَا حَدًّا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت