فهرس الكتاب

الصفحة 6185 من 8432

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ عِنْدَنَا فِي مُبَاحِ السَّفَرِ دُونَ وَاجِبِهِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ مَحْمُولًا عَلَى تَطَوُّعِ الصَّوْمِ دُونَ مَفْرُوضِهِ ، وَهَذَا وَاجِبٌ كَالْحَجِّ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذِي مَحْرَمٍ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ يَدْفَعُ النَّصَّ ، فَكَانَ مُطَّرِحًا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُغَرَّبَ فِي غَيْرِ الزِّنَا تَعْزِيرًا ، وَجَازَ فِي الزِّنَا ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُوبِهِ فِي الزِّنَا حَدًّا ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِ الزِّنَا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الثَّيِّبِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَدَّ الثَّيِّبِ أَغْلَظُ الْعُقُوبَاتِ ، فَسَقَطَ بِهِ مَا دَوْنَهُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجْمَ فِيهِ قَدْ مَنَعَ مِنْ حَدٍّ يَتَعَقَّبُهُ ، وَالْجَلْدُ لَا يَمْنَعُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا اسْتَقَرَّ فُرِّقَ مَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي حَدِّ الزِّنَا ، فَجَمَعَ الزَّانِي بَيْنَهُمَا ، فَزَنَا بِكْرًا ثُمَّ زَنَا ثَيِّبًا ، فَفِي الْجَمْعِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا ، فَيُجْلَدُ لِزِنَا الْبَكَارَةِ ، وَيُرْجَمُ لِزِنَا الْإِحْصَانِ ، وَلَا يُغَرَّبُ: لِأَنَّ رَجْمَهُ يُغْنِي عَنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا: لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ اتَّفَقَ مُوجِبُهُمَا ، فَدَخَلَ أَخَفُّ الْحُكْمَيْنِ فِي أَغْلَظِهِمَا ، كَمَا يَدْخُلُ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الزِّنَا مِنْهُ فِي الْبَكَارَةِ تَدَاخَلَ ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي الْإِحْصَانِ تَدَاخَلَ ، فَوَجَبَ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الْبَكَارَةِ وَالْإِحْصَانِ أَنْ يَتَدَاخَلَ . وَهَكَذَا لَوْ سَرَقَ ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَفِي دُخُولِ قِطْعِ السَّرِقَةِ فِي قَتْلِ الرِّدَّةِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَإِذَا أَصَابَ الْحُرُّ أَوْ أُصِيبَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فَقَدْ أُحْصِنَا ، فَمَنْ زَنَى مِنْهُمَا فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ فِي حَدِّ الزِّنَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، وَلَيْسَ يُرَادُ بِالثَّيِّبِ زَوَالُ الْعُذْرَةِ: لِعَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الرِّجَالِ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْإِحْصَانُ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ الْمُحْصَنُ . وَالْإِحْصَانُ فِي كَلَامِهِمُ الِامْتِنَاعُ ، وَمِنْهُ سُمِّي الْقَصْرُ حِصْنًا: لِامْتِنَاعِهِ . وَقِيلَ: فَرَسٌ حَصَانٌ: لِامْتِنَاعِ رَاكِبِهِ بِهِ . وَدِرْعٌ حَصِينَةٌ: لِامْتِنَاعِ لَابِسِهَا مِنْ وُصُولِ السِّلَاحِ إِلَيْهِ . وَقَرْيَةٌ حَصِينَةٌ: لِامْتِنَاعِ أَهْلِهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [ الْحَشْرِ: 14 ] ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِحْصَانُ هُوَ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الزِّنَا ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ يَصِيرُ الزَّانِي بِهَا مُحْصَنًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت