فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 8432

أَصْحَابِهِ فَقَدْ أَلْقَى شَعْرَهُ مِرَارًا وَلَمْ يُقَسِّمْهُ وَلَا خَصَّ بِهِ أَحَدًا ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً بِمِنًى ، وَقَصَدَ بِهِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا التَّوَصُّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ بَرَكَتِهِ ، وَإِمَّا لِتَمَيُّزِ مَنْ خَصَّهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ لَهُمْ شَرَفًا وَفَخْرًا ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى أَبِي طَيْبَةَ شُرْبَهُ دَمَهُ وَنَهَاهُ عَنْ مِثْلِهِ وَقَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ جِسْمَكَ عَلَى النَّارِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَالْمَذْهَبُ نَجَاسَةُ الشَّعْرِ بِالْمَوْتِ لِحُلُولِ الرُّوحِ فِيهِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: أَقُولُ فِيهِ لَا حَيَاةَ وَلَا أَقُولُ فِيهِ رُوحٌ ، وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ تَتَّفِقُ الْمَعْنَى فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الشَّعْرُ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِذِي رُوحٍ ، وَلَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ . وَقَالَ مَالِكٌ: الشَّعْرُ لَيْسَ بِذِي رُوحٍ وَلَا فِي الْعَظْمِ رُوحٌ تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا رُوحَ فِيهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ . فَأَمَّا دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنْ لَا رُوحَ فِيهِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَلَمَ مِنْ سِمَاتِ الرُّوحِ ، فَلَمَّا كَانَ وُجُودُهُ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ الْحَيَاةِ كَانَ انْتِفَاؤُهُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْحَيَاةِ ، وَلَيْسَ فِي الشَّعْرِ وَالْعَظْمِ أَلَمٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا حَلَّتْهُ الْحَيَاةُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ كَاللَّحْمِ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَظْمُ وَالشَّعْرُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ فِي انْتِفَاءِ الْفَسَادِ عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا حَيَاةَ فِيهِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا حَلَّتْهُ الْحَيَاةُ فَالشَّرْعُ مَانَعَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَالْجِلْدِ وَمَا لَمْ تُحِلَّهُ الْحَيَاةُ لَمْ يَمْنَعِ الشَّرْعُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَاللَّبَنِ ، فَلَمَّا جَازَ أَخْذُ الشَّعْرِ مِنَ الْحَيَوَانِ دَلَّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهِ حَيَاةٌ . وَأَمَّا دَلِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ الشعر والعظم فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [ النَّحْلِ: ] فَكَانَ مِنْهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ لَفْظِهَا مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت