فهرس الكتاب

الصفحة 6200 من 8432

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا: لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ إِشَارَتَهَا بِالزِّنَا إِقْرَارًا ، فَتَصِيرُ كَالْجَاحِدَةِ . وَعِنْدَنَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا إِنْ أَشَارَتْ بِالْإِقْرَارِ ، وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ إِذَا أَشَارَ بِالْإِقْرَارِ بِالزِّنَا حُدَّ . وَقَدْ مَضَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ"الْإِقْرَارِ"، ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي خَرَسِهَا أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِهَا ، وَسُكُوتُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ خَرَسُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَمَتَى رَجَعَ تُرِكَ ، وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا عَنْ إِقْرَارِهِ ، قُبِلَ رُجُوعُهُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، سَوَاءٌ وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ ، سَوَاءً وَقَعَ بِهِ الْحَدُّ أَوْ لَمْ يَقَعْ . وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي حَدِّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ قِيَاسًا عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ وَرُجُوعُهُ شُبْهَةٌ: لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ . وَلِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ مِنْ حَرِّ الْأَحْجَارِ وَتَبَعُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ". فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِرُجُوعِهِ تَأْثِيرٌ لَمْ يُنْدَبْ إِلَى تَرْكِهِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِرَجْمِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، فَتَرَكَهُ وَقَالَ: لَأَنْ أَتْرُكُ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ أُقِيمَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ . وَوَافَقَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ كَالرِّدَّةِ ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ بِالْقَوْلِ قِيَاسًا عَلَى رُجُوعِ الشُّهُودِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت