فهرس الكتاب

الصفحة 6199 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ مَعَ فِعْلِ الْمَرْأَةِ وَطْءٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ فِي جَنَبَتِهَا بِالْجُحُودِ سَقَطَ فِي جَنَبَتِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ لِعَدَمِ الْكَمَالِ: لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي زِنًا كَامِلٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّنَا بِجُحُودِهَا وَإِقْرَارِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ وُجُودٍ وَعَدَمٍ ، فَصَارَ شُبْهَةٌ فِيهِ ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِهِ . وَدَلِيلُنَا: أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، قَالَ: الْآنَ أَقْرَرْتُ أَرْبَعًا . فَبِمَنْ قَالَ: بِفُلَانَةٍ . فَلَمْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَسْأَلْهَا . وَلَوْ كَانَ إِقْرَارُهَا شَرْطًا فِي وُجُوبِ حَدِّهِ وَإِنْكَارُهَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ ، لَكَفَّ عَنْ رَجْمِهِ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهَا . وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَا بِامْرَأَةٍ ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا فَجَحَدَتْ ، فَحُدَّ الرَّجُلُ . وَهَذَا نَصٌّ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا حَدَّهُ لِلْقَذْفِ . قِيلَ: حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِمُطَالَبَتِهَا ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهَا طَالَبَتْ ، فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى حَدِّ الزِّنَا دُونَ الْقَذْفِ . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي جُحُودِهَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ ، كَالسُّكُوتِ إِذَا لَمْ يَجْحَدْ وَلَمْ تُقِرَّ . وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ سُكُوتُهُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى غَيْرِهِ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ جُحُودُهُ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا . وَلِأَنَّ جُحُودَهَا لَوْ كَانَ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ ، لَوَجَبَ إِذَا كَانَتْ غَائِبَةً أَلَّا يَحُدَّ حَتَّى تَحْضُرَ: لِجَوَازِ أَنْ تَجْحَدَ فَيَسْقُطَ الْحَدُّ عَنْهُ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْجِيلِ حَدِّهِ قَبْلَ قُدُومِهَا وَسُؤَالِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَهَا وَجُحُودَهَا سَوَاءٌ فِي حَقِّهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ:"بِأَنَّهُ وَطْءٌ وَاحِدٌ": فَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَطْئًا وَاحِدًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ سَقَطَ فِي جَنَبَةِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَاقِلًا ، وَهِيَ مَجْنُونَةٌ أَوْ كَبِيرًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ سُقُوطَهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ فَهُوَ: أَنَّهَا شُبْهَةٌ فِي حَقِّهَا دُونَ حَقِّهِ ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا لَمْ يَكُنْ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ . وَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِذَا زَنَا النَّاطِقُ بِخَرْسَاءَ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت