فهرس الكتاب

الصفحة 6198 من 8432

يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ زَانِيًا وَفِي بَعْضِهَا غَيْرَ زَانٍ ، وَلِأَنَّهُ إِقْرَارٌ ثَبَتَ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ بِهِ حَدُّ الزِّنَا كَالْأَرْبَعِ . وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ ضَرْبَانِ: حَقُّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ . وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ التَّكْرَارُ ، فَكَانَ حَدُّ الزِّنَا مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمَا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ"مَاعِزٍ"فِي إِقْرَارِهِ أَرْبَعًا ، فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَقَّفَ عَنْ رَجْمِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى اسْتِثْبَاتًا لِحَالِهِ وَاسْتِرَابَةً لِجُنُونِهِ: لِأَنَّهُ كَانَ قَصِيرًا أَعْضَدَ أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ نَاثِرَ الشِّعْرِ ، أَقْبَلَ حَاسِرًا فَطَرَدَهُ تَصَوُّرًا لِجُنُونِهِ ، وَأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَفْضَحُ نَفْسَهُ وَيُتْلِفُهَا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبِدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ سَأَلَ قَوْمَهُ عَنْ حَالِهِ ، وَقَالَ: أَبَهَ جِنَّةٌ ؟ وَقَالَ: اسْتَنْكِهُوهُ . لِأَنَّهُ تَوَهَّمَهُ حِينَ لَمْ يَرَ بِهِ جِنَّةً أَنْ يَكُونَ سَكْرَانَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَرْبَعُ مُعْتَبَرًا لَكَانَ الْأَوَّلُ مُؤَثِّرًا ، وَلَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَطْرُدَهُ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى حَقٌّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ رَجَمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَثْبَتَهُ فِي الْخَامِسَةِ ، وَقَالَ:"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ ؟"قَالَ: بَلْ جَامَعْتُهَا ، قَالَ:"أَوْلَجْتَ ذَكَرَكَ فِي فَرْجِهَا ، كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَا فِي الْبِئْرِ ؟"قَالَ: نَعَمْ . فَأَقَرَّ بِرَجْمِهِ فِي الْخَامِسَةِ ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا بِإِجْمَاعٍ ، فَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَهَا . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ خَبَرٌ خَالَفَ الْأُصُولَ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ إِذَا خَالَفَ الْأُصُولَ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنَّكَ إِنْ أَقْرَرْتَ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ"فَلِأَنَّ حَالَهُ قَدْ وَضَحَتْ ، وَالِاسْتِرَابَةُ قَدِ ارْتَفَعَتْ ، فَصَارَتِ الرَّابِعَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِزَوَالِ الِاسْتِرَابَةِ ، وَلَمْ تَكُنْ لِاسْتِكْمَالِ الْعَدَدِ: لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ جَلَدَ فِي أَيَّامِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَدَدًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الشَّهَادَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهَا أَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَدُ فِي غَيْرِ الزِّنَا اعْتُبِرَ فِي الزِّنَا ، وَلَمَّا لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ فِي الْإِقْرَارِ بِغَيْرِ الزِّنَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِزِيَادَةِ الشَّهَادَةِ فِيهِ تَغْلِيظًا: فَهُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحُقُوقِ ، وَلَا تُوجِبُ اخْتِلَافَ الْإِقْرَارِ بِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا .

فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَا بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتِ الْمَرْأَةُ الزِّنَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت