أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ ، فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضَغْنٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ . وَلِأَنَّ شُهُودَ الزِّنَا مُخَيَّرُونَ بَيْنَ إِقَامَتِهَا وَتَرْكِهَا ، فَإِنْ أَخَّرَهَا صَارَ تَارِكًا لَهَا ، وَالْعَائِدُ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ تَرْكِهَا مُتَّهَمٌ ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلٍ وَعَدَدٍ كَالْعُقُودِ ، فَلَمَّا بَطُلَتِ الْعُقُودُ بِتَأْخِيرِ الْقَوْلِ وَافْتِرَاقِ الْعَدَدِ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِمَثَابَتِهَا فِي إِبْطَالِهَا بِتَأْخِيرِ الْقَوْلِ وَافْتِرَاقِ الْعَدَدِ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [ النُّورِ: 4 ] ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ فِي الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ قُبِلَتْ عَلَى الْفَوْرِ قُبِلَتْ عَلَى التَّرَاخِي كَالشَّهَادَةِ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ: وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا ثَبَتَ بِهِ الزِّنَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالتَّرَاخِي كَالْإِقْرَارِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَهُوَ مُرْسَلٌ: لِأَنَّ عَمَّرَ لَمْ يَلْقَهُ وَخَالَفَهُ ، وَقَدْ خَالَفَ عُمَرُ هَذَا الْقَوْلِ فِي قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ ، فَإِنَّهُ نَقَلَ الشُّهُودَ فِيهَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَسَمِعَهَا بَعْدَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ:"لَمْ يَشْهَدُوا"مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْفِعْلَ ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ شَهَادَتُهُمْ . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالتُّهْمَةِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التُّهْمَةَ فِي الْمُبَادَرَةِ أَقْوَى مِنْهَا فِي التَّأْخِيرِ . رَوَى عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا تَثَبَّتَّ أَصَبْتَ أَوْ كِدْتَ تُصِيبُ ، وَإِذَا اسْتَعْجَلْتَ أَخْطَأْتَ أَوْ كِدْتَ تُخْطِئُ . وَالثَّانِي: أَنَّ التُّهْمَةَ بِالْعَدَاوَةِ لَا تُوجِبُ عِنْدَهُ رَدَّ الشَّهَادَةِ ، وَإِنْ رُدَّتْ عِنْدَنَا ، وَلَوْ صَارَ مَتْهُومًا بِالتَّأْخِيرِ لَرُدَّتْ بِهِ فِي غَيْرِ الزِّنَا . وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ بِالْعُقُودِ ، فَبَاطِلٌ بِسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعُيُّ:"وَمَنْ رَجَعَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ حد الزنا لَمْ يُحَدَّ غَيْرُهُ . وَإِنْ لَمْ تَتِمَّ شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً ، فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ ، وَالْأُولَى فِيهِمَا تَقْدِيمٌ لِلثَّانِيَةِ: لِأَنَّهَا أَصْلٌ لِلْأُولَى . وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً ، أَوِ اثْنَيْنِ ، أَوْ وَاحِدًا ، الْحُكْمُ فِيهِمْ سَوَاءٌ ، وَسَوَاءٌ حَضَرَ الرَّابِعُ فَتَوَقَّفَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ، فَهَلْ يَصِيرُ الشُّهُودُ إِذَا لَمْ يَكْمُلُ عَدَدُهُمْ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: