فهرس الكتاب

الصفحة 6241 من 8432

أَحَدُهَا: لَا يَلْزَمُ ، وَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ ، وَهُمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ كَأَهْلِ الْعَهْدِ: لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [ الْمَائِدَةِ: 42 ] ، وَقَالَ تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [ الْمَائِدَةِ: 49 ] وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ . وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ أَوْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَعْدَوُا الْحَاكِمَ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُعْدِيَ الْمُسْتَعْدِيَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُعْدِيَهُ ، وَإِذَا أَعْدَاهُ كَانَ الْمُسْتَعْدِي عَلَيْهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحُضُورِ وَالِامْتِنَاعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَنَا ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يُعْدِيَهُمْ وَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَيُلْزِمَهُمُ الْحُضُورَ إِلَيْهِ وَالْتِزَامَ حُكْمِهِ ، فَإِنْ تَرَاضَوْا بِالْمُحَاكَمَةِ إِلَيْهِ تَوَجَّهَ لُزُومُ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ دُونَهُ ، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ حَكَمَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْتِزَامُ حُكْمِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَيُعْدِيَ الْمُسْتَعْدِي مِنْهُمْ وَيُخَيِّرَ الْمُسْتَعْدِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْحُضُورِ ، وَيُلْزِمَهُ الْحُكْمَ جَبْرًا ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ التَّوْبَةِ: 29 ] . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالصَّغَارُ: أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ . وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّغَارَ هُوَ الْإِذْعَانُ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا ، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُمْ أَحْكَامُهُ لَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تُوجِبُ حِفْظَ الْحُقُوقِ وَتَمْنَعُ مِنَ التَّظَالُمِ . فَعَلَى هَذَا: إِنْ كَانَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْحُدُودِ مَحْظُورًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالزِّنَا ، أَقَمْنَا الْحَدَّ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا عِنْدَنَا مُبَاحًا عِنْدَهُمْ كَشُرْبِ الْخَمْرِ ، لَمْ نَحُدَّهُمْ لِإِقْرَارِنَا لَهُمْ عَلَى اسْتِبَاحَتِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَا يَلْزَمَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ فِي كُفْرِهِمْ أَعْظَمُ وَقَدْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ ، وَحُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَحْفُوظَةٌ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ ، كَمَا يَلْزَمُنَا حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ . فَإِنْ كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لَزِمَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمِ قَوْلًا وَاحِدًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَعْدِيًا أَوْ مُسْتَعْدًى عَلَيْهِ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى وَإِنْ كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ ذِمِّيِّينَ مِنْ مِلَّتَيْنِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت