فهرس الكتاب

الصفحة 6326 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذِهِ شَهَادَةٌ كَامِلَةٌ يَجِبُ بِهَا الْقَطْعُ: لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْجِنْسِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرِ اخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّفَةِ . وَهَذَا فَاسِدٌ: لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الصِّفَةِ يَمْنَعُ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْعَيْنِ ، فَصَارَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ الْمَانِعِ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْعَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ فِيهِمَا سَاقِطًا . وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الْخَاصَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ: فَهِيَ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ في السرقة ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ: لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ تُوجِبُ الْمَالَ وَلَا تُوجِبُ الْحَدَّ ، وَفِي السَّرِقَةِ مَالٌ وَحَدٌّ ، فَإِنْ ثَبَتَ بَيِّنَةُ الْحُدُودِ جُمِعَ بَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ . وَإِنْ قَامَ بَيِّنَةُ الْأَمْوَالِ وَجَبَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ذِكْرُ الْحِرْزِ وَصِفَةُ السَّرِقَةِ: لِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْغُرْمِ ، وَإِنْ عَدِمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يُقِمْهَا عَلَى حَدٍّ وَلَا مَالٍ أُحْلِفَ السَّارِقُ عَلَى إِنْكَارِهِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ إِذَا حَلَفَ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ . فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالْغُرْمِ . فَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يَجِبُ: لِأَنَّهُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا الْأَيْمَانُ فِي إِثْبَاتٍ وَلَا إِنْكَارٍ ، فَصَارَتِ الْيَمِينُ فِيهِ مَقْصُورَةً عَلَى الْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْ مُدَّعِي السَّرِقَةِ وَكَانَ غَائِبًا عَنْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّارِقِ إِقْرَارٌ وَلَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ ، لَمْ يُعْتَرَضْ فِيهَا لِلسَّارِقِ بِقَطْعٍ وَلَا غُرْمٍ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالتُّهْمَةِ فِي الْحُكْمِ إِلَّا بِمَا يَقُومُ بِهِ أَصْحَابُ الرِّيَبِ مِنْ زَوَاجِرِ التَّأْدِيبِ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ وُلَاةُ الْمُعَاوِنِ دُونَ الْحُكَّامِ . وَإِنْ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ ، فَلِثُبُوتِهَا وَجْهَانِ: بَيِّنَةٌ ، وَإِقْرَارٌ . فَإِنْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٌ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ ، فَالَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ فَيَدَّعِيَهَا . وَقَالَ فِي الْأُمِّ: إِذَا قَامَتْ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ زَنَا بِهَا وَسَيِّدُهَا غَائِبٌ ، أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُوقَفُ عَلَى حُضُورِ سَيِّدِهَا . فَخَالَفَ بَيْنَ قَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا فِي الْأَمَةِ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بِاخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْجَوَابَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا وَاحِدٌ ، يُوقَفَانِ مَعًا عَلَى حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَحُضُورِ سَيِّدِ الْأَمَةِ ، فَإِنِ ادَّعَيَا ذَلِكَ قُطِعَ السَّارِقُ وَحُدَّ الزَّانِي ، وَإِنْ أَنْكَرَاهُ أَوْ ذَكَرَا شُبْهَةً لَهُ فِي الْمِلْكِ أَوِ الْفِعْلِ لَمْ يُقْطَعِ السَّارِقُ وَلَمْ يُحَدَّ الزَّانِي . وَزَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِّ الزَّانِي بِالْأَمَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهِ: لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْجَوَابَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْقُولٌ إِلَى الْآخَرِ ، وَيَكُونَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ السَّارِقُ وَيُحَدُّ الزَّانِي عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي حَدِّ الزِّنَا: لِمَا فِيهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يَجُوزُ إِضَاعَتُهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي ، عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي قَطْعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت