فهرس الكتاب

الصفحة 6347 من 8432

وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ ، إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [ الْمَائِدَةِ: 33 ] فَكَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ جُرْمٍ أَوْجَبَ عُقُوبَةً فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ، تَغَلَّظَتْ عُقُوبَتُهُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، كَالْمَالِ تَغَلَّظَتْ عُقُوبَتُهُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، كَالْأَمْرِ بِقَطْعِ الرِّجْلِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَتَغَلَّظَ عُقُوبَةُ الْقَتْلِ بِانْحِتَامِهِ ، فَصَارَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الظَّاهِرِ مَخْصُوصًا . وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ فَيَ الْحِرَابَةِ غَيْرَ مُكَافِئٍ لِلْقَاتِلِ: لِأَنَّهُ حُرٌّ قَتَلَ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ قَتَلَ مُعَاهَدًا ، أَوْ وَالِدٌ قَتَلَ وَلَدًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْقَاتِلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كُفْؤًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّكَافُؤَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَيُقْتَلُ بِهِ الْقَاتِلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْؤًا: لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ خِيَارُ الْوَلِيِّ سَقَطَ فِيمَا كَفَاهُ الْمَقْتُولُ . فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُرْتَدًّا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاتِلُ بِرِدَّتِهِ قُتِلَ بِهِ اعْتِبَارًا بِقَصْدِهِ ، وَإِنْ عَلِمَ بِرِدَّتِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ: لِأَنَّ دَمَهُ مُبَاحٌ .

فَصْلٌ: وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ في الحرابة ، فَكَانَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبُ بِأَخْذِ الْمَالِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ . وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّلْبَ حَدًّا وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي جُرْمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ بِالْمُحَارَبَةِ ، وَلَا يُقْصَدُ فِي الْأَغْلَبِ بِهِمَا إِلَّا الْمَالُ وَالْقَتْلُ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعُقُوبَتَيْنِ مَقْصُودَ الْحِرَابَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ قَتْلِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ: يُصْلَبُ حَيًّا ، ثُمَّ يُبْعَجُ بَطْنُهُ بِالرِّمَاحِ ، أَوْ يُرْمَى بِالسِّهَامِ حَتَّى يُقْتَلَ . وَحَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لِأَنَّ الصَّلْبَ إِذَا كَانَ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ: لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ عَلَى مَيِّتٍ . وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا ، وَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوتَ . وَلَيْسَ هَذَا صَحِيحًا: لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ نَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْإِحْسَانَ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْعَلَ الرُّوحُ غَرَضًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت