أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَفُّهُمْ عَنِ الْأَذَى ، وَإِبْعَادُهُمْ لَا يَكُفُّهُمْ عَنِ الْأَذَى ، وَالْحَبْسُ يَكُفُّهُمْ عَنْهُ ، فَكَانَ هُوَ الْمُرَادَ بِهِ . حَكَى مَكْحُولٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوَّلُ مَنْ حَبَسَ فِي السُّجُونِ ، وَقَالَ: احْبِسْهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْهُ التَّوْبَةَ ، وَلَا أَنْفِيهِ إِلَى بَلَدٍ فَيُؤْذِيهِمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ النَّفْيَ حَدًّا ، فَاقْتَضَى أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ أَصْحَابِ الْحُدُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ جَعَلَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ ، فَخَالَفَ الظَّاهِرَ . وَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْحَبْسَ نَفْيًا: لِقَوْلِ بَعْضِ الْمَسْجُونِينَ مِنْ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ: خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا عَلَى قَوْلِنَا: أَنْ يُطْلَبُوا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فَيَهْرُبُوا . وَهُوَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَاجِعٌ إِلَى بَعْضِهِمْ . فَإِنْ قِيلَ: فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِنَفْيِهِمْ ، وَمَذْهَبُكُمْ يَبْعَثُ عَلَى أَنْ يَنْفُوا أَنْفُسَهُمْ . قِيلَ: إِذَا نَفَوْا أَنْفُسَهُمْ لِطَلَبِ الْإِمَامِ لَهُمْ ، صَارَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي نَفَاهُمْ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنْ هَرَبَ فَذَلِكَ نَفْيُهُ . وَقَوْلُهُ مَعَ عَدَمِ الْمُخَالِفِ حُجَّةٌ . وَلِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُسَمَّى نَفْيًا: لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ ، وَالنَّفْيُ إِبْعَادٌ فَصَارَا ضِدَّيْنِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّفْيِ الْكَفُّ ، وَالْحَبْسُ كَفٌّ: قُلْنَا: الطَّلَبُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَبْلَغُ مِنَ الْكَفِّ . أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ حَدٌّ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: فَهُوَ أَنَّهُ حَدٌّ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ حَدٌّ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَهَذَا حَدٌّ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الشِّعْرُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحَبْسَ نَفْيًا مِنَ الدُّنْيَا ، وَلُحُوقًا بِالْمَوْتَى ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَالَ ، فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَشَرْحُ الْمَذْهَبِ فِي كُلِّ فِعْلٍ وَحُكْمُهُ: أَنْ يُعْتَبَرَ مَا فَعَلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ في تحديد عقوبته ، فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ رُوعِيَ حَالُ الْمَقْتُولِ ، فَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ قُتِلَ بِهِ الْقَاتِلُ ، وَكَانَ قَتْلُهُ مُنْحَتِمًا لَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ فَيَتَغَلَّظُ فِي الْحِرَابَةِ بِانْحِتَامِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ فِي أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهَا ، إِلَّا أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى الْقَتْلِ أَخْذُ الْمَالِ فَيَنْحَتِمُ قَتْلُهُ وَلَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [ الْإِسْرَاءِ: 33 ] .