فهرس الكتاب

الصفحة 6359 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْمَائِدَةِ: 34 ] فَعَطَفَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُدُودِ الْمُحَارَبَةِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ التَّوْبَةِ: فَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ: أَنَّهَا الْإِسْلَامُ . وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ وَرَدَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا بِإِسْلَامِهِمْ . فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا تُسْقِطُ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ حَدًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ وَرَدَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ: إِلَى أَنَّهَا التَّوْبَةُ مِنْ قِصَاصِ الْحُدُودِ . وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي أَمَانِ الْإِمَامِ لَهُمْ ، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ؟ المحاربين فَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالشَّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ: أَنَّ أَمَانَ الْإِمَامِ شَرْطٌ فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ الْإِمَامُ لَمْ تُسْقِطِ التَّوْبَةُ عَنْهُ حَدًّا . وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّ أَمَانَ الْإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهَا ، وَالِاعْتِبَارُ بِتَأْثِيرِهَا فِي الْحُدُودِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ . وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لُحُوقِهِمْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، ثُمَّ عَوْدِهِمْ مِنْهَا تَائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ . فَإِنْ لَمْ يُلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ تُؤَثِّرِ التَّوْبَةُ فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُمْ . وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِئَةٌ يَلْجَأُونَ إِلَيْهَا وَيَمْتَنِعُونَ بِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا بِفِئَةٍ لَمْ تُؤَثِّرْ تَوْبَتُهُمْ فِي سُقُوطِ الْحُدُودِ عَنْهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، والْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إِلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوِ اسْتِخْفَاءٍ أَوِ امْتِنَاعٍ ، فَيَخْرُجُوا عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، فَتُؤَثِّرُ تَوْبَتُهُمْ فِيمَا سَقَطَ عَنْهُمْ ، وَمَنِ امْتَدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ الْإِمَامِ فَهُوَ تَحْتَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ هَذَا فِي رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ ، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ شَرْطًا: لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ قَادِرٌ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: يَكُونُ شَرْطًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ: هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، لَا عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوْتُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُسْقِطُ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ جَمِيعَ الْحُقُوقِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِلْآدَمِيِّينَ مِنَ الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ . رُوِيَ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ مُحَارِبًا فَأَخَافَ السَّبِيلَ ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ ، وَجَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَقَبِلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت