فهرس الكتاب

الصفحة 6360 من 8432

السَّلَامُ تَوْبَتَهُ ، وَجَعَلَ لَهُ أَمَانًا مَنْشُورًا عَلَى مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ . وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ جَمِيعَ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ إِلَّا الدِّمَاءَ: لِتَغْلِيظِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لِاخْتِصَاصِ التَّوْبَةِ بِتَكْفِيرِ الْإِمَامِ دُونَ حُقُوقِ الْعِبَادِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحُدُودُ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ هل تسقط بالتوبة ؟ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي سُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ ، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: لِعُمُومِ الظَّوَاهِرِ فِيهَا ، وَلِأَنَّ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ أَبْلَغُ فِي خُلُوصِ الطَّاعَةِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقُدْرَةِ ، فَقَوِيَ حُكْمُهَا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُ . وَتَوْبَةَ غَيْرِ الْمُحَارِبِ تَضْعُفُ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ: لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا عَنْ خَوْفٍ ، فَضَعُفَ حُكْمُهَا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ ، أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَالْحِرَابَةِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزِّنَا: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [ النِّسَاءِ: 16 ] وَفِي قَطْعِ السَّرِقَةِ: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ أَغْلَظُ مِنْ حُدُودِ غَيْرِ الْحِرَابَةِ ، فَلَمَّا سَقَطَ بِالتَّوْبَةِ أَغْلَظُهُمَا كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ أَخَفُّهُمَا ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَوْضُوعَةٌ لِلنَّكَالِ وَالرَّدْعِ ، وَالتَّائِبُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا ، فَسَقَطَ عَنْهُ مُوجِبُهَا .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلتَّوْبَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ فِي الْحِرَابَةِ وَغَيْرِ الْحِرَابَةِ ، فَالتَّوْبَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِيهَا ، فَتَكُونُ فِي الْحِرَابَةِ بِإِظْهَارِهَا قَوْلًا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا الْكَفُّ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا إِصْلَاحُ الْعَمَلِ . وَلَا تَكُونُ التَّوْبَةُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ بِإِظْهَارِهَا قَوْلًا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا إِصْلَاحُ الْعَمَلِ فِي زَمَانٍ يُوثَقُ بِصَلَاحِهِ فِيهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَصٌّ . وَالثَّانِي: مَعْنًى . فَأَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ فِي الْحِرَابَةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْمَائِدَةِ: 34 ] وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْإِصْلَاحُ فِيهَا ، وَقَالَ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ [ الْمَائِدَةِ: 39 ] وَفِي آيَةِ الزِّنَا: فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [ النِّسَاءِ: 16 ] بِشَرْطِ الْإِصْلَاحِ فِيهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت