فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَامِضٍ خَلًّا: لِأَنَّا نَرَاهُ خَلَّا إِذَا حَدَثَتْ فِيهِ الْحُمُوضَةُ ، وَغَيْرَ خَلٍّ إِذَا ارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْحُمُوضَةُ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ حَامِضٍ خَلًّا ، لَمْ يَكُنْ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرًا . قِيلَ: صِحَّةُ التَّعْلِيلِ مَوْقُوفٌ عَلَى اطِّرَادِهِ ، وَهُوَ فِي الْخَمْرِ مُطَّرِدٌ ، فَصَحَّ . وَفِي الْخَلِّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ، فَبَطَلَ . وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَلِيلُ الْخَمْرِ مِثْلَ كَثِيرِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُ النَّبِيذِ مِثْلَ كَثِيرِهِ: لِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا فِي حُكْمِ الْكَثِيرِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْقَلِيلِ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ كَالْخَمْرِ . فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ فِي التَّحْرِيمِ: لِأَنَّ كَثِيرَ السَّقَمُونِيَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ حَرَامٌ ، وَقَلِيلُهُ غَيْرُ حَرَامٍ . قِيلَ: لِأَنَّ تَحْرِيمَ السَّقَمُونِيَا لِضَرَرٍ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِشِدَّتِهِ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ . فَإِنْ مَنَعُوا مِنَ التَّعْلِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ ، ثُمَّ يُقَالُ: لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ قَلِيلِ النَّبِيذِ وَكَثِيرِهِ . وَمِنْهَا أَنَّ دَوَاعِيَ الْحَرَامِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُسَبَّبِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ ، وَشُرْبَ الْمُسْكِرِ يَدْعُو إِلَى السُّكْرِ ، وَشُرْبُ الْقَلِيلِ يَدْعُو إِلَى شُرْبِ الْكَثِيرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ الْمُسْكِرُ لِتَحْرِيمِ السُّكْرِ وَيُحَرَّمَ الْقَلِيلُ لِتَحْرِيمِ الْكَثِيرِ . فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ هَذَا بِقُبْلَةِ الصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ . قِيلَ: إِذَا دَعَتْ إِلَى الْوَطْءِ حَرُمَتْ . وَإِنَّمَا يُبَاحُ مِنْهَا مَا لَمْ يَدْعُ إِلَى الْوَطْءِ . وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَّقَ عَلَى طَبْخِ الْأَشْرِبَةِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ ، فَجَعَلَهُ مُحِلًّا لِلْحَرَامِ ، وَمُحَرِّمًا لِلْحَلَالِ: لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا طُبِخَ الْخَمْرُ حَلَّ ، وَإِذَا طُبِخَ النَّبِيذُ حَرُمَ . وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ تَأْثِيرًا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا حَلَّ مِنْ لَحْمِ الْجَمَلِ لَمْ يَحْرُمْ بِالطَّبْخِ ، وَمَا حَرُمَ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمْ يَحِلَّ بِالطَّبْخِ ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ تَأْثِيرِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ نِيءَ الْخَمْرِ حَرَامٌ ، فَكَذَلِكَ مَطْبُوخُهُ ، وَأَنَّ مَطْبُوخَ النَّبِيذِ حَرَامٌ ، فَكَذَلِكَ نَيِّئُهُ .