عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا وَعُكَّاشَةَ الْغَنْمِيِّ تَحْتَ مَجَالِ أَقَمْتُ لَهُ صَدْرَ الْجَمَالَةِ إِنَّهَا مُعَوَّدَةٌ قَبْلَ الْكُمَاةِ نِزَالِ فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجِلَالِ مَصُونَةً وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالِ ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِدَمِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ إِسْلَامٌ عَنْ كُفْرٍ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَ فِي الْكُفْرِ ، كَأَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلِأَنَّ فِي تَضْمِينِهِمْ مَا اسْتَهْلَكُوهُ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ مُرَغَّبُونَ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُؤْخَذُوا بِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ . وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَوَجْهُهُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَارَضَهُ عُمَرُ ، فَقَالَ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً . قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ كَعَفْوِ الْأَوْلِيَاءِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ أَبِي بَكْرٍ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَمِلَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُمْ وَلَمْ يُغَرِّمْهُمْ . قِيلَ: الْقِصَاصُ وَالْغُرْمُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مُطَالِبٌ بِحَقِّهِ مِنْهُ فَمَنَعَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الشِّرْكِ إِسْقَاطٌ لِلْوُجُوبِ . وَمِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةٍ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَنَعَةٍ كَالْمُسْلِمِ طَرْدًا وَالْحَرْبِيِّ عَكْسًا ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ إِنْ لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا ، لَمْ تُفِدْهُ خَيْرًا ، وَهُوَ يَضْمَنُ قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَكَانَ ضَمَانُهُ بَعْدَهَا أَوْلَى .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَإِذَا قَامَتْ لِمُرْتَدٍّ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ يَعْلَمُ تَوْبَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمُهَا ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُرْتَدُّ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَهُ إِلَّا الْإِمَامُ: لِأَنَّ قَتْلَهُ حَدٌّ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُدُودِ الَّتِي تَخْتَصُّ الْأَئِمَّةُ بِإِقَامَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ مُحَارِبًا فِي مَنَعَةٍ جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ كَمَا يَجُوزُ قَتْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ . فَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا فَادَّعَى وَلِيُّهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ ، وَأَنْكَرَ الْقَاتِلُ إِسْلَامَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ بَيِّنَةٌ عَلَى إِسْلَامِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ فِي بَقَاءِ رِدَّتِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَنَعَةٍ أَوْ غَيْرِ مَنَعَةٍ . فَإِنْ أَقَامَ وَلِيُّهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِسْلَامِهِ ، فَإِنْ عَلِمَ الْقَاتِلُ بِإِسْلَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا وَفِي كِتَابِ"الْأُمِّ": أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ . وَقَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ مُوجِبٌ لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ ، فَيَكُونُ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَى قَوْلَيْنِ: