عَلَيْهِمْ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ وَضَمَانِ مَا يُصِيبُونَ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : فَإِنْ قِيلَ: فَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ ؟ قِيلَ: قَالَ لِقَوْمٍ جَاءُوهُ تَائِبِينَ: تَدُونَ قَتْلَانَا ، وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ . فَقَالَ عُمَرُ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُهُ: تَدُونَ ؟ قِيلَ: إِنْ كَانُوا يُصِيبُونَ غَيْرَ مُتَعَمِّدِينَ وَدَوْا ، وَإِذَا ضَمِنُوا الدِّيَةَ فِي قَتْلٍ غَيْرِ عَمْدٍ كَانَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِهِمْ مُتَعَمِّدِينَ . وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ أَحَدًا أُقِيدَ بِأَحَدٍ . قِيلَ: وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَتْلُ أَحَدٍ بِشَهَادَةٍ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ نَعْلَمْ حَاكِمًا أَبْطَلَ لِوَلِيٍّ دَمًا طَلَبَهُ ، وَالرِّدَّةُ لَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ قَوَدًا وَلَا عَقْلًا عن المرتدين ، وَلَا تَزِيدُهُمْ خَيْرًا إِنْ لَمْ تَزِدْهُمْ شَرًّا . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : هَذَا عِنْدِي أَقْيَسُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ يَطْرَحُ ذَلِكَ كُلَّهُ: لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الرِّدَّةِ أَنْ نَرُدَّهُمْ إِلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يُرَقُّونَ وَلَا يُغْنَمُونَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ المرتدين ، فَكَذَلِكَ يُقَادُ مِنْهُمْ وَيَضْمَنُونَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَدُّونَ وَأَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ وَهُمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ حكمه ، فَمَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ بِالْقَوَدِ فِي الدِّمَاءِ ، وَالْغُرْمِ فِي الْأَمْوَالِ . وَمَا أَتْلَفُوهُ وَهُمْ فِي مَنَعَةٍ وَالْمَنَعَةُ: أَنْ لَا يَقْدِرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَعِدَّ لِقِتَالِهِمْ فَفِي ضَمَانِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ قَوْلَانِ مَضَيَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ . فَأَمَّا ضَمَانُهُ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ فِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَيْنِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ سَوَاءٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ . وَإِنْ كَانَ ضَمَانُ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ تَأْوِيلًا مُحْتَمِلًا ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ تَأْوِيلٌ مُحْتَمِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ إِمَامًا تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ إِمَامٌ تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ . فَإِنْ قِيلَ: بِسُقُوطِ ضَمَانِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي سِيَرِ الْأَوْزَاعِيِّ فَوَجْهُهُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً . فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ رِضًا بِقَوْلِهِ ، وَرُجُوعًا إِلَيْهِ: لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ طُلَيْحَةَ قَتَلَ فِي رِدَّتِهِ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ ، وَفِيهِمَا يَقُولُ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ حِينَ قَتَلَهُمَا:"