فهرس الكتاب

الصفحة 6442 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ آدَمِيًّا صيال الأدمي كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَانَتْ نَفْسُهُ هَدَرًا ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا . وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ صيال الصبي وَالْمَجْنُونِ صيال المجنون ، أَوْ كَانَ بَهِيمَةً صيال البهيمة كَالْفَحْلِ الصَّائِلِ ، كَانَتْ نَفْسُهُ مَعَ إِبَاحَةِ قَتْلِهِ مَضْمُونَةً بِدِيَةِ الْأَذَى ، وَقِيمَةِ الْبَهِيمَةِ: اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . وَهَذَا الْمَالُ مُسْتَهْلَكٌ عَلَى مَالِكِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ ، فَوَجَبَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِضَمَانِهِ ، كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى بِالضَّمَانِ: لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِأَكْلِ الطَّعَامِ ، وَعَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِهَذَا الْقَتْلِ: لِجَوَازِ أَنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ بِغَيْرِ قَتْلٍ ، فَلَمَّا ضَمِنَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَضْمَنَ مَا لَا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ ، قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا قَصْدَ لَهَا: لِأَنَّهَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا وَلَيْسَ صَاحِبُهَا مَعَهَا كَانَ هَدَرًا: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ فَإِذَا بَطَلَ قَصْدُهَا سَقَطَ حُكْمُ الصَّوْلِ ، فَصَارَ كَالْقَاتِلِ لَهَا بِغَيْرِ صَوْلٍ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التَّوْبَةِ: 91 ] وَهَذَا بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ مُحْسِنٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ فِي الْغُرْمِ ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشُّورَى: 41 ] . فَإِنْ قِيلَ: لَا يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ظُلْمٌ . قِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَصَارَ الدَّافِعُ مَظْلُومًا ، وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْمَدْفُوعِ بِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ ظُلِمَ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ: أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ غُرْمٌ مَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ . وَمِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّهُ إِتْلَافٌ بِدَفْعٍ مُبَاحٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الضَّمَانُ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ . فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى فِي الْمُكَلَّفِ: أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ إِبَاحَةُ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ: لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَصْدِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت