فهرس الكتاب

الصفحة 6469 من 8432

فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَبَادِئِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ فِي نَفْسِهِ ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ ، فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ، فَكَانَ يَرَى مِنْ شَأْنِهِ مَا يَسُرُّهُ ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ مِنْ وِلَادَتِهِ ، فَوَصَّى بِهِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: لِأَنَّهُ كَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ لِأُمِّهِ ، فَخَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ بِتِجَارَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ ، فَنَزَلَ تَحْتَ صَوْمَعَةٍ بِالشَّامِ عِنْدَ بُصْرَى ، وَكَانَ فِي الصَّوْمَعَةِ رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ"بَحِيرَا"قَدْ قَرَأَ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَعَرَفَ مَا فِيهَا ، مِنَ الْأَنْبَاءِ وَالْأَمَارَاتِ ، فَرَأَى بَحِيرَا مِنْ صَوْمَعَتِهِ غَمَامَةً قَدْ أَظَلَّتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الشَّمْسِ فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَتَفَقَّدُ جَسَدَهُ ، حَتَّى رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِي مَنَامِهِ ، وَيَقَظَتِهِ فَأَخْبَرَهُ ، بِهَا ، فَوَافَقَتْ مَا عِنْدَهُ فِي الْكُتُبِ ، وَسَأَلَ أَبَا طَالِبٍ عَنْهُ فَقَالَ: ابْنِي فَقَالَ: كَلَّا ، قَالَ: ابْنُ أَخِي: مَاتَ أَبُوهُ ، وَهُوَ حَمْلٌ قَالَ: صَدَقْتَ ، وَعَمِلَ لَهُمْ وَلِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ طَعَامًا لَمْ يَكُنْ يَعْمَلُهُ لَهُمْ مِنْ قَبْلُ . وَقَالَ: احْفَظُوا هَذَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ ، وَسَيُبْعَثُ إِلَيْنَا وَإِلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، فَإِنْ عَرَفُوهُ مَعَكُمْ قَتَلُوهُ ، فَقَالُوا كَيْفَ عَرَفْتَ هَذَا ؟ قَالَ: بِالسَّحَابَةِ الَّتِي أَظَلَّتْهُ ، وَرَأَيْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ عَلَى النَّعْتِ الْمَذْكُورِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ بُشْرَى نُبُوَّتِهِ ، وَهُوَ لِصِغَرِهِ غَيْرُ دَاعٍ إِلَيْهَا وَلَا مُتَأَهِّبٌ لَهَا .

فَصْلٌ: ثُمَّ نَشَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُرَيْشٍ نشأة رسول الله عَلَى أَحْسَنِ هَدْيٍ وَطَرِيقَةٍ ، وَأَشْرَفِ خُلُقٍ وَطَبِيعَةٍ ، وَأَصْدَقِ لِسَانٍ وَلَهْجَةٍ ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ذَاتَ شَرَفٍ وَيَسَارٍ ، وَكَانَتْ لَهَا مَتَاجِرُ وَمُضَارِبَاتٌ ، فَلَمَّا عَرَفَتْ أَمَانَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِدْقَ لَهْجَتِهِ أَبَضْعَتْهُ مَالًا يَتَّجِرُ لَهَا بِهِ إِلَى الشَّامِ مُضَارِبًا ، وَأَنْفَذَتْ مَعَهُ مَوْلَاهَا"مَيْسَرَةَ"لِيَخْدِمَهُ فِي طَرِيقِهِ ، فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ تَحْتَ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ ، فَرَأَى الرَّاهِبُ مِنْ ظُهُورِ كَرَامَاتِ اللَّهِ مَا عَلِمَ ، أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِنَبِيٍّ مُنْزَلٍ ، وَقَالَ لِمَيْسَرَةَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ . فَقَالَ: إِنَّهُ نَبِيٌّ: وَكَانَ مَيْسَرَةُ يَرَاهُ إِذَا رَكِبَ تُظِلُّهُ غَمَامَةٌ تَقِيهِ حَرَّ الشَّمْسِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى"خَدِيجَةَ"قَصَّ مَيْسَرَةُ عَلَيْهَا حَدِيثَ الرَّاهِبِ ، وَمَا شَاهَدَهُ مِنْ ظِلِّ الْغَمَامَةِ ، وَتَضَاعَفَ لَهَا رِبْحُ التِّجَارَةِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ بُشْرَى ثَانِيَةً بِنُبُوَّتِهِ ، فَرَغِبَتْ خَدِيجَةُ فِي نِكَاحِهِ ، وَكَانَ قَدْ خَطَبَهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ ، فَامْتَنَعَتْ ، وَسَفَرَ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ"مَيْسَرَةُ". وَقِيلَ: مَوْلَاةٌ مُوَلَّدَةٌ [ مِنْ مُوَلَّدَاتِ مَكَّةَ ] . وَخَافَتِ امْتِنَاعَ أَبِيهَا عَلَيْهِ: لِفَقْرِهِ ، فَعَقَرَتْ لَهُ ذَبِيحَةً وَأَلْبَسَتْهُ حِبَرَةً ، بِطِيبٍ وَعَقِيرٍ ، وَسَقَتْهُ خَمْرًا حَتَّى سَكِرَ ، وَحَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَاخْتُلِفَ فِي حُضُورِ أَبِي طَالِبٍ مَعَهُ ، وَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا فَأَجَابَهُ ، وَزَوَّجَهُ بِهَا ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَخَدِيجَةُ ابْنَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ خُوَيْلِدٌ وَصَحَا ، رَأَى آثَارَ مَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا الْعَقِيرُ وَالْعَبِيرُ وَالْحَبِيرُ ؟ قِيلَ لَهُ: زَوَّجْتَ خَدِيجَةَ بِمُحَمَّدٍ . قَالَ: مَا فَعَلْتُ: قِيلَ لَهُ: قَبُحَ بِكَ هَذَا وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ، فَرَضِيَ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ظُهُورِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت