الْإِسْلَامِ: لَا يُرْفَعُ إِلَيَّ نِكَاحُ نَشْوَانَ إِلَّا أَجَزْتُهُ ، ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ كَفَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمُورَ دُنْيَاهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ اللُّطْفِ ، وَوَلَدَتْ لَهُ جَمِيعَ أَوْلَادِهِ إِلَّا"إِبْرَاهِيمَ"فَكَانَ لَهُ مِنْهَا مِنَ الْبَنِينَ"الْقَاسِمُ"وَبِهِ كَانَ يُكْنَى ، وَالطَّاهِرُ ، وَالطَّيِّبُ ، وَمِنَ الْبَنَاتِ"زَيْنَبُ"وَ"رُقَيَّةُ"وَ"أُمُّ كُلْثُومٍ"وَ"فَاطِمَةُ"، فَمَاتَ الْبَنُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ، وَعَاشَ الْبَنَاتُ بَعْدَهَا ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَشَاوَرَتْ فِي هَدْمِ الْكَعْبَةِ وَبِنَائِهَا ؛ لِقِصَرِ سُمْكِهَا وَكَانَ فَوْقَ الْقَامَةِ ، وَسِعَةِ حِيطَانِهَا ، وَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا ، وَخَافُوا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَدْمِهَا ، وَكَانَ يَظْهَرُ فِيهَا حَيَّةٌ يَخَافُ النَّاسُ مِنْهَا ، فَعَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ ، فَسَقَطَ طَائِرٌ فَاخْتَطَفَهَا ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً عَلَى سَاحِلِ"جُدَّةَ"لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ ، فَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ ، وَبَنَوْهَا وَأَسْقَفُوهَا بِخَشَبِ السَّفِينَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ عَامِ الْفُجَّارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الْحَجَرَ فِي الرُّكْنِ ، تَنَازَعَتْ فِيهِ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ ، وَطَلَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ أَنْ تَتَوَلَّى وَضْعَهُ ، فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا حِينَ خَافَ أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، تَقَاضُوا إِلَى أَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: هَذَا"مُحَمَّدٌ"وَهُوَ الْأَمِينُ وَكَانَ يُسَمَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ"الْأَمِينَ"لِأَمَانَتِهِ وَعِفَّتِهِ ، وَصِدْقِهِ ، وَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِهِ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: ائْتُونِي ثَوْبًا ، فَأَتَوْهُ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَ وَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ، وَقَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ، وَارْفَعُوهُ جَمِيعًا فَفَعَلُوا ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَرُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ، فَكَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمْ وَوُقُوعُ الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ مِنَ الْأَمَارَاتِ مَا يُحَدِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ دِينِهِ ، وَشَوَاهِدَ مَا يُؤْتِيهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ .
فَصْلٌ: ثُمَّ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ نُبُوَّتِهِ انْتَشَرَ فِي الْأُمَمِ أَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ نَبِيًّا فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَأَنَّ ظُهُورَهُ قَدْ آنَ ، فَكَانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ لَهَا كِتَابٌ تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهَا ، وَكُلُّ أُمَّةٍ لَا كِتَابَ لَهَا تَرَى مِنَ الْآيَاتِ الْمُنْذِرَةِ مَا تَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِعُقُولِهَا ، فَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ لِقُرَيْشٍ عِيدٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، يَنْفَرِدُ فِيهِ النِّسَاءُ عَنِ الرِّجَالِ ، فَاجْتَمَعْنَ فِيهِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ يَهُودِيٌّ وَفِيهِنَّ"خَدِيجَةُ"فَقَالَ لَهُنَّ: يَا مَعْشَرَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ يُوشِكُ أَنْ يُبْعَثَ فِيكُنَّ نَبِيٌّ ، فَأَيَّتُكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْضًا فَلْتَفْعَلْ ، فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ خَدِيجَةَ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ عِجْلًا ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُقَسِّمَ لَنَا مِنْهُ إِذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا ، مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ ، أَوْ شَيْعِهِ ، يَقُولُ: يَا آلَ ذَرِيحٍ ، أَمْرٌ نَجِيحٌ ، وَرَجُلٌ يَصِيحُ ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .