فهرس الكتاب

الصفحة 6574 من 8432

وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ . وَأَمَّا الْحَرَمُ فَقَدْ كَانَ الْقِتَالُ فِيهِ حَرَامًا عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَقَالَ: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 191 ] . ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ الْبَقَرَةِ: 193 ] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التَّوْبَةِ: 5 ] . وَقَالَ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [ الْبَقَرَةِ: 191 ] . فَصَارَ لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَامِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ الْأُولَى: تَحْرِيمُهُ فِيهِ لِمَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ . الثَّانِيَةُ: إِبَاحَتُهُ لِمَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ . وَالثَّالِثَةُ: إِبَاحَتُهُ لِمَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْحَالُ الثَّالِثَةُ غَيْرُ مُبَاحَةٍ ، وَلَا يَسْتَبِيحُ فِيهِ إِلَّا قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاتَلَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ مُبْتَدِئًا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَاتَلَ فِيهِ أَهْلَ الْمَعَاصِي فَكَانَ تَطْهِيرُ الْحَرَمِ مِنْهُمْ أَوْلَى .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا صَارَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَامًّا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ ، هَلْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكِفَايَةِ ؟ أَوْ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْكِفَايَةِ ؟ الجهاد عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهِ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا تأويل قوله تعالى [ التَّوْبَةِ: 41 ] . وَفِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: شَبَابًا وَشُيُوخًا ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ . وَالثَّانِي: أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ . وَالثَّالِثُ: أَصِحَّاءَ وَمَرْضَى ، وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ . وَالرَّابِعُ: رُكْبَانًا وَمُشَاةً ، وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ . وَالْخَامِسُ: نَشَاطًا وَكَسَالَى ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالسَّادِسُ: عَلَى خِفَّةِ النَّفِيرِ وَثِقَلِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَالسَّابِعُ: خِفَافًا إِلَى الطَّاعَةِ ، وَثِقَالًا عَنِ الْمُخَالَفَةِ . وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثَامِنًا: خِفَافًا إِلَى الْمُبَارَزَةِ وَثِقَالًا فِي الْمُصَابَرَةِ: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تأويل قوله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت