فهرس الكتاب

الصفحة 6576 من 8432

الذَّرَارِيِّ وَطَاعَةِ الرَّسُولِ: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَفَقَّهَ الطَّائِفَةُ النَّافِرَةُ إِمَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِهَادِهِ ، وَإِمَّا مُهَاجَرَةً إِلَيْهِ فِي إِقَامَتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ . وَالثَّانِي: لِيَتَفَقَّهَ الطَّائِفَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النُّفُورِ فِي سَرَايَاهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ . وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَفَقَّهُوا فِيمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ، وَتَأْيِيدِهِ لِدِينِهِ ، وَتَصْدِيقِ وَعْدِهِ وَمُشَاهَدَةِ مُعْجِزَاتِهِ لِيَقْوَى إِيمَانُهُمْ ، وَيُخْبِرُوا بِهِ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ . وَالثَّانِي: لِيَتَفَقَّهُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَمَعَالِمِ الشَّرْعِ ، وَيَتَحَمَّلُوا عَنِ الرَّسُولِ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَلَاغُ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ فَرَضَ الْجِهَاد عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وَفِي قَوْلِهِ: خُذُوا حِذْرَكُمْ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: احْذَرُوا عَدُوَّكُمْ . وَالثَّانِي: خُذُوا سِلَاحَكُمْ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ يَعْنِي: فِرَقًا وَعُصَبًا ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا أَيْ: بِأَجْمَعِكُمْ . فَخَيَّرَهُمُ اللَّه تَعَالَى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْكَافَّةِ ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ ، فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ حِينَ عَيَّنَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا تَوْجِيهُ الْوَجْهَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهِ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَعَلَى الْكِفَايَةِ فِي غَيْرِهِمْ: لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ انْقَطَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنُصْرَتِهِ: فَتَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ بَدْرٍ بِالْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً ، وَمَا جَاهَدَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ قَبْلَ بَدْرٍ ، فَتَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَى مَنِ ابْتُدِئَ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى مَنْ لَمْ يُبْتَدَأْ بِهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَمَّى أَهْلَ الْفَيْءِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ مُهَاجِرِينَ ، وَجَعَلَ فَرْضَ الْعَطَاءِ فِيهِمْ ، وَسَمَّى غَيْرَهُمْ وَإِنْ جَاهَدُوا أَعْرَابًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: قَدْ حَسَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيِّ أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّاوِيِّ مُهَاجِرًا لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ الْآنَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ الْأَعْيَانِ فَالَّذِي يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ الْجِهَادِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: كَفُّ الْعَدُوِّ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَخَطَّفَهَا لِيَنْتَشِرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا آمِنِينَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَإِنْ أَظَلَّ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ وَخَافُوهُ عَلَى بِلَادِهِمْ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت