فهرس الكتاب

الصفحة 6586 من 8432

مَقْصُودَ الْجِهَادِ التَّعَرُّضُ لِلشَّهَادَةِ: فَخَالَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَسْفَارِ الَّتِي لَا يُتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فِيهَا ، فَصَارَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِفَرْضِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ وَلَا بِسُقُوطِهِ عَنْهُ: لِوُقُوفِهِ عَلَى إِذْنِ رَبِّهِ ، فَإِنْ أَذِنَ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ ، وَإِذَا جَاهَدَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَمَامَ الصُّفُوفِ ، وَوَقَفَ فِي وَسَطِهَا أَوْ حَوَاشِيهَا لِيُتَحَفَّظَ الدَّيْنُ بِحِفْظِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَنْ إِذْنِهِ كَانَ كَالَّذِي مَضَى فِي حُدُوثِ الْأَعْذَارِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَبِإِذْنِ أَبَوَيْهِ لِشَفَقَتِهِما وَرِقَّتِهِمَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَإِنْ كَانَا عَلَى غَيْرِ دِينِهِ ، فَإنَمَا يُجَاهِدُ أَهْلَ دِينِهِمَا: فَلَا طَاعَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ قَدْ جَاهَدَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي كَرَاهِيَةِ أَبِيهِ لِجِهَادِهِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاهَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبِدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُوهُ مُتَخَلِّفٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"بِأُحُدٍ"يُخَذِّلُ مَنْ أَطَاعَهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا كَانَ لِلْمُجَاهِدِ أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الْإِسْرَاءِ: 23 ] . فَجَمَعَ بَيْنَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [ الْإِسْرَاءِ: 23 ] . يَعْنِي: حِينَ تَرَى مِنْهُمَا الْأَذَى وَتُمِيطُ عَنْهُمَا الْقَذَى ، فَلَا تَضْجَرْ كَمَا كَانَا يُمِيطَانِهِ عَنْهُ صَغِيرًا مِنْ غَيْرِ ضَجَرٍ ، وَفِي هَذَا الْأُفِّ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُلُّ مَا غَلُظَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَبُحَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّبَرُّمِ وَالضَّجَرِ ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْأَصْوَاتِ الْمَحْكِيَّةِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أُفٍّ وَتَفٍّ ، وَالْأُفُّ فِي اللُّغَةِ وَسَخُ الْأُذُنِ ، وَالْتَفُّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ . وَلَا تَنْهَرْهُمَا [ الْإِسْرَاءِ: 23 ] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَرُدَّ عَلَيْهِمَا قَوْلًا . وَالثَّانِي: لَا تُنْكِرْ مِنْهُمَا فِعْلًا . وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيِّنًا . وَالثَّانِي: حَسَنًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الْإِسْرَاءِ: 124 ] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْخُضُوعُ لَهُمَا . وَالثَّانِي: تَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَيْهِمَا ، مَأْخُوذٌ مِنْ عُلُوِّ الطَّائِرِ بِجَنَاحِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْحُنُوُّ وَالشَّفَقَةُ ، فَدَلَّ عُمُومُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِمَا عَلَى أَنْ يُرْجَعَ فِي الْجِهَادِ إِلَيْهِمَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت