فهرس الكتاب

الصفحة 6587 من 8432

ثُمَّ مِنْ نَصِّ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ:"قَدْ هَجَرْتَ الشِّرْكَ ، وَبَقِيَتْ هِجْرَةُ الْجِهَادِ ، فَهَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أَحَدٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ: أَبَوَايَ قَالَ:"اسْتَأْذَنْتَهُمَا ؟ فَإِنْ أَذِنَاكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبَرَّهُمَا . وَرَوَى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ . وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا ، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْجِهَادِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ بَعْلٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَجَاهِدْ ، فَإِنَّ لَكَ فِيهِ مُجَاهِدًا حَثِيثًا ، يُرِيدُ بِالْبَعْلِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَالِدَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعْلُ الدَّارِ ، أَيْ مَالِكُهَا ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا . وَلِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَطَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ: فَكَانَ أَوْكَدَ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ أَبَوَاهُ مَمْلُوكَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُمَا المجاهد: لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِهِ تَدَيُّنًا ، وَقَدْ جَاهَدَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُوهُ ، عُتْبَةُ يُقَاتِلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قُتِلَ ، وَكَانَ سَيِّدَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَاتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ يُخَذِلُ النَّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَصُدُّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ ، وَيَقُولُ: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا . وَقِيلَ: إِنَّ الْقَائِلَ لِهَذَا قُشَيْرُ بْنُ مُعَتِّبٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِ مَنْ أَشْرَكَ أَوْ نَافَقَ لِأَنَّ النِّفَاقَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَبَوَيْنِ في الإذن للقتال مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمَا وَلَهُمَا فِي الْإِذْنِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْذَنَا لَهُ مَعًا فَلَهُ الْجِهَادُ ، فَإِنْ رَجَعَا عَنِ الْإِذْنِ رُدَّ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَلْتَقِ الزَّحْفَانِ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْتَنِعَا مِنَ الْإِذْنِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْجِهَادِ فَإِنْ أَذِنَا بَعْدَ الْمَنْعِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَنْعِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَيَمْنَعَهُ الْآخَرُ فَيُغَلَّبُ حُكْمُ الْمَنْعِ عَلَى الْإِذْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت