أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعُودَ خَالِيًا مِنْ سَبْيٍ وَأَسْرَى ، فَقَدْ سَقَطَ مَا تَعَيَّنَ مِنْ فَرْضِ قِتَالِهِ بِرَدِّهِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَعُودَ بِسَبْيٍ وَأَسْرَى ، فَيَكُونُ فَرْضُ قِتَالِهِ بَاقِيًا حَتَّى يُسْتَرْجَعَ مَنْ فِي يَدِهِ مِنَ السَّبْيِ وَالْأَسْرَى .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَكَذَلِكَ رَدُّ السَّلَامِ وَدَفْنُ الْمَوْتَى وَالْقِيَامُ بِالْعِلْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ: لَمْ يُحَرَّجِ الْبَاقُونَ ، وَإِلَّا حُرِّجُوا أَجْمَعُونَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحْكَامِ الْجِهَادِ: لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ بِالْجِهَادِ فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: رَدُّ السَّلَامِ حكم ، وَدَفْنُ الْمَوْتَى ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ . فَأَمَّا السَّلَامُ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي ابْتِدَائِهِ حكم ابتدأ السلام . وَالثَّانِي: فِي رَدِّهِ حكم رد السلام . فَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَدَبٌ ، وَسُنَّةٌ ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْأَدَبُ ، فَسَلَامُ الْمُتَلَاقِيَيْنِ ، وَهُوَ خَاصٌّ ، وَلَيْسَ بِعَامٍّ: لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ لَتَشَاغَلَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ ، وَيَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكْسِبَ بِهِ وُدًّا ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَدْفِعَ بِهِ بَذْءًا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الْمُؤْمِنُونَ: 96 ] . فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ: ادْفَعْ بِالسَّلَامِ إِسَاءَةَ الْمُسِيءِ: فَصَارَ هَذَا السَّلَامُ خَاصًّا وَلَيْسَ بِعَامٍّ ، وَكَانَ مِنْ آدَابِ الشَّرْعِ لَا مِنْ سُنَنِهِ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِاجْتِلَابِ تَآلُفٍ ، وَالْأَوْلَى فِي ابْتِدَاءِ هَذَا السَّلَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِ اسْتَوَيَا فَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِهِ كَانَ لَهُ فَضْلُ التَّحِيَّةِ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ سَلَامُ السُّنَّةِ ، فَهُوَ سَلَامُ الْقَاصِدِ عَلَى الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ عَامٌّ يَبْتَدِئُ بِهِ كُلُّ قَاصِدٍ عَلَى كُلِّ مَقْصُودٍ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَرَاكِبٍ وَمَاشٍ ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَدِئُ بِالسَّلَامِ إِذَا قَصَدَ ، وَيَبْتَدِئُ بِهِ إِذَا لُقِيَ وَقُصِدَ وَهُوَ مِنْ سُنَنِ الشَّرْعِ: لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِغَيْرِ سَبَبٍ مُجْتَلَبٍ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَامِ الْأَدَبِ فَرْقَانِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُ هَذَا وَخُصُوصُ ذَاكَ . وَالثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُبْتَدِئِ بِهَذَا وَتَكَافُؤُ ذَاكَ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ وَاحِدًا فَيَتَعَيَّنُ السَّلَامُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَاصِدِ ، وَيَتَعَيَّنُ الرَّدُّ فِيهِ عَلَى الْمَقْصُودِ .