فهرس الكتاب
وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اقْتُلُوا شُيُوخَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ ، يَعْنِي اسْتَبْقُوا شَبَابَهُمْ أَحْيَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [ الْقَصَصِ: 4 ] . فَأَمَرَ بِقَتْلِ الشُّيُوخِ وَاسْتِبْقَاءِ الشَّبَابِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا نَفْعَ فِي قَتْلِ الشُّيُوخِ ، وَفِي الشَّبَابِ نَفْعٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ رُجُوعَ الشَّبَابِ عَنْ كُفْرِهِ أَقْرَبُ مِنْ رُجُوعِ الشَّيْخِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّرْخِ غَيْرَ الْبَالِغِينَ وَهُوَ أَشْبَهُ: لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ جَازَ قَتْلُهُ ، وَإِنْ قَعَدَ عَنِ الْقِتَالِ كَالْمُقَاتِلِ ، وَلِأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ سَهْمًا إِذَا كَانَ مُسْلِمًا جَازَ قَتْلُهُ وَإِذَا كَانَ كَافِرًا كَالْمُقَاتِلِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ: إِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ كَانُوا كَالْأَسِيرِ إِذَا أَسْلَمَ ، فَهَلْ يُرَقُّونَ أَوْ يَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِمْ عَلَى خِيَارِهِ ؟ أي الشباب بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ ، أَوْ يُفَادِيَ بِهِمْ ، أَوْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ كَانُوا كَالْأَسْرَى إِذَا لَمْ يُسْـلِمُوا ، فَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِمْ عَلَى خِيَارِهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَنْ يَقْتُلَ ، أَوْ يَسْتَرِقَّ ، أَوْ يُفَادِيَ ، أَوْ يَمُنَّ ، فَأَمَّا الْأُجَرَاءُ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِمْ عَلَى خِيَارِهِ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ: لِأَنَّهُمْ أَعْوَانٌ عَلَيْنَا أَوْ مُقَاتِلَةٌ لَنَا . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْعُسَفَاءِ وَالْوُصَفَاءِ ، وَالْعُسَفَاءُ: الْأَجْزَاءُ . وَالْوُصَفَاءُ: جَمْعُ وَصَيْفٍ ، قِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ لِئَلَّا يَقَعَ التَّشَاغُلُ بِهِمْ عَنْ قَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ: لِأَنَّهُمْ أَذَلُّ نُفُوسًا ، وَأَقَلُّ نِكَايَةً ، وَأَنَّهُمْ لَا يَفُوتُونَ إِنْ هَرَبُوا ، وَلَا يَمْتَنِعُونَ إِنْ طَلَبُوا ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا حُمِلَ نَهْيُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِذَا أمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ حُرٌّ بَالِغٌ أَوْ عَبْدٌ يُقَاتِلُ أَوْ لَا يُقَاتِلُ أَوِ امْرَأَةٌ ، فَالْأَمَانُ جَائِزٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا أَمَانُ الْمُشْرِكِينَ فَجَائِزٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ تأويلها [ التَّوْبَةِ: 6 ] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنِ اسْتَغَاثَكَ فَأَغِثْهُ . وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ إِنِ اسْتَأْمَنَكَ فَأَمِّنْهُ ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ، فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي سُورَةَ بَرَاءَةَ خَاصَّةً لِيَعْلَمَ مَا فِي حُكْمِ النَّاقِضِ لِلْعَهْدِ وَحُكْمَ الْمُقِيمِ عَلَيْهِ ، وَالسِّيرَةَ فِي الْمُشْرِكِينَ وَالْفَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ . وَالثَّانِي: يَعْنِي جَمِيعَ الْقُرْآنِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ مِنْ ضَلَالِهِ ، وَيَرْجِعَ بِهِ عَنْ كُفْرِهِ . ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ، يَعْنِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ إِنْ أَقَامَ عَلَى الشِّرْكِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ"