فهرس الكتاب

الصفحة 6659 من 8432

قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ [ التَّوْبَةِ: 6 ] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَعْلَمُونَ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ . وَالثَّانِي: لَا يَعْلَمُونَ اسْتِبَاحَةَ دِمَائِهِمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَمَانِهِمْ ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ أَمَانِهِمْ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهُدْنَةَ مَعَ قُرَيْشٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ عَلَى أَنْ يَأْمَنُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَيَأْمَنَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . فَإِذَا صَحَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَوَازُ الْأَمَانِ فَهُوَ ضَرْبَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ ، فَأَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ الْهُدْنَةُ الَّـتِي تُعْقَدُ أَمَانًا لِلْكَافَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَهَذِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهَا إِلَّا وُلَاةُ الْأَمْرِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِكَافَّةِ الْمُشْرِكِينَ فِي جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهَا ، إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ الْوَالِي عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَهْلِ إِقْلِيمٍ صَحَّ عَقْدُهَا مِنَ الْإِمَامِ ، أَوْ مِنْ وَالِي ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ لِقِيَامِهِ فِيهِ مَقَامَ الْإِمَامِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَمُدَّتِهَا . وَأَمَّا الْأَمَانُ الْخَاصُّ: فَهُوَ أَنْ يُؤَمَّنَ مِنَ الْكُفَّارِ آحَادٌ لَا يَتَعَطَّلُ بِهِمْ جِهَادٌ نَاحِيَتَهُمْ كَالْوَاحِدِ وَالْعَشَرَةِ إِلَى الْمِائَةِ وَأَهْلِ قَافِلَةٍ ، فَإِنْ كَثُرُوا حَتَّى تَعَطَّلَ بِهِمْ جِهَادُهُمْ صَارَ عَامًّا ، وَهَذَا الْأَمَانُ الْخَاصُّ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيفًا أَوْ مَشْرُوفًا ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا ، قَوِيًّا كَانَ أَوْ ضَعِيفًا ، لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَ كَافِرًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: لَا يُخَيِّرُ أَمَانَهُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجَرَّاحُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ ، فَإِنْ أَمَّنَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَمَانُهَا جَائِزًا كَالرَّجُلِ . رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ،"إِنِّي أَجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِي"، وَزَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلُهُمَا ، يَعْنِي أَخَاهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَامَ الْفَتْحِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ . وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أُسِرَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَتْ زَيْنَبُ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - إِنِّي أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ زَيْنَبُ . وَاحْتَمَلَ أَمَانُ زَيْنَبَ لَهُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَسْرِهِ فَيَكُونَ أَمْنًا بِأَمَانِهَا . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَّنَتْهُ بَعْدَ أَسْرِهِ ، فَيَكُونَ آمِنًا بِتِجَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بِأَمَانِهَا ؛ لِأَنَّ أَمَانَ الْأَسِيرِ مَنٌّ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْمَنُّ إِلَّا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَبَ مَنِّهِ عَلَيْهِ أَمَانَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ لَهُ رِعَايَةً لِحَقِّهَا فِيهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت