فهرس الكتاب
فَفَعَلَ فَإِذَا أَهْلُهُ تِلْكَ الْجَارِيَةُ ، فَأَرَى أَنْ يُقَالَ لِلدَلِيلِ: إِنْ رَضِيتَ الْعِوَضَ عَوَّضْنَاكَ بِقِيمَتِهَا ، وَإِنْ أَبَيْتَ قِيلَ لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَعْطَيْنَاكَ مَا صَالَحْنَا عَلَيْهِ غَيْرَكَ بِجَهَالَةٍ ، فَإِنْ سَلَّمْتَهَا عَوَّضْنَاكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ نَبَذْنَا إِلَيْكَ وَقَاتَلْنَاكَ ، فَإِنْ كَانَتْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ أَوْ مَاتَتْ عُوِّضَ ، وَلَا يَبِينُ ذَلِكَ فِي الْمَوْتِ كَمَا يَبِينُ إِذَا أَسْلَمَتْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَوَالِي الْجِهَادِ أَنْ يَبْذُلَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يُفْضِي إِلَى ظَفَرِهِمْ بِالْمُشْرِكِينَ مَا يَرَاهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ ، لِقِيَامِهِ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى أَقْرَبِ الطُّرُقِ ، أَوْ مَنْ أَوْصَلَنَا إِلَى قَلْعَةٍ ، أَوْ أَرْشَدَنَا إِلَى مَغْنَمٍ ، أَوْ أَظْفَرَنَا بِأَسْبَابِ الْفَتْحِ مِنَ احْتِلَالِ مَضِيقٍ وَشِعْبٍ حَصُونٍ ، أَوْ كَانَ عَيْنًا لَنَا عَلَيْهِمْ وَنَقَلَ أَخْبَارَهُمْ ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ جُعَالَةٌ يَصِحُّ عَقْدُهَا لِمَنْ أَجَابَ إِلَيْهَا مِنْ مُسْلِمٍ وَمُشْرِكٍ ، لِعَوْدِهَا بِنَفْعٍ لِلْجَاعِلِ وَالْمُسْتَجْعِلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا ، إِمَّا مُعَيَّنًا ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ: فَالْمُعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ: فَلَهُ هَذَا الْعَبْدُ ، وَفِي الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ: فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ: لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ نَفْيُ الْجَعَالَةِ عَنْهُ مَنَعَتِ الْجَهَالَةُ مِنْ صِحَّتِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ صَحَّتِ الْجَعَالَةُ ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِيهَا مَجْهُولًا وَبِمَا لَيْسَ فِي الْحَالِ مَمْلُوكًا: فَتَكُونُ الْجَعَالَةُ بِأَمْوَالِهِمْ مُخَالِفَةً لِلْجَعَالَةِ بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُهَا مَجْهُولٌ . وَالثَّانِي: جَوَازُهَا بِغَيْرِ مَمْلُوكٍ . وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَا تَسْتَوْقِرُّهُ الْإِبِلُ إِلَّا الْمَالَ وَالسِّلَاحَ ، وَهَذَا مَجْهُولٌ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ ، وَذَلِكَ مِنْ غَنِيمَةٍ مَجْهُولَةٍ وَغَيْرِ مَمْلُوكَةٍ . وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَثُلَتْ لِي الْحِيرَةُ كَأَنْيَابِ الْكِلَابِ ، وَأَنْتُمْ سَتَفْتَحُونَهَا ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَبْ لِي بِنْتَ بِقَيْلَةَ . فَقَالَ: هِيَ لَكَ ، فَلَمَّا فَتَحَهَا أَصْحَابُهُ أَعْطُوهُ الْجَارِيَةَ ، فَقَالَ أَبُوهَا أَتَبِيعُهَا ، فَقَالَ: نَعَمْ بِأَلْفٍ فَأَعْطَاهُ الْأَلْفَ فَقِيلَ لَهُ لَوْ طَلَبْتَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَعْطَاكَ ، فَقَالَ: وَهَلْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ ."