فهرس الكتاب
اجْتِهَادًا: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّرْ بِهِ وَقْتَ الْأَمَانِ حُكْمُ مُجْتَهِدٍ ، فَانْعَقَدَتْ عَلَى مُدَّةِ النَّصِّ دُونَ الِاجْتِهَادِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا بَعْدَهَا أَمَانٌ يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهُ ، لَكِنْ لَا يَنْتَقِضُ أَمَانُهُ إِلَّا بَعْدَ إِعْلَامِهِ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ بَعْدَهَا إِلَى مَأْمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمَانُ مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ أقسامه فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدَّرَ بِالْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ نَصًّا وَاجْتِهَادًا ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِمَقَامِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَمَانُهُ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ: جَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُدَّةَ بِمَقَامِهِ فِيهِ ، وَلَهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا الْأَمَانُ فِي مُدَّةِ عَوْدِهِ إِلَى بَلَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمَانُ عَامًّا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا انْتَقَضَ أَمَانُهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ فِي قَدْرِ مَسَافَةٍ لِاتِّصَالِ دَارِ الْإِسْلَامِ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَصَارَ مَا اتَّصَلَ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ بِلَادِ أَمَانِهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُدَّةِ مَسَافَةِ الِانْتِقَالِ مِنْهَا بِخِلَافِ الْبَلَدِ الْمُعَيَّنِ ، وَلَا يَجُوزُ إِذَا تَجَاوَزَهَا أَنْ يُسْبَى حَتَّى يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تُقَدَّرَ مُدَّةُ أَمَانِهِ بِأَقَلَّ مِنَ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ ، كَإِعْطَائِهِ أَمَانَ شَهْرٍ فَلَا يَتَجَاوَزُ مُدَّةَ الشَّرْطِ إِلَى مُدَّةِ الشَّرْعِ اعْتِبَارًا بِمُوجِبِ الْعَقْدِ ، وَيَكُونُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا عَلَى مَا مَضَى . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُقَدَّرَ مُدَّةُ أَمَانِهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ ، كَإِعْطَائِهِ أَمَانَ سَنَةٍ أَوْ أَمَانَ الْأَبَدِ فَيَبْطُلُ الْأَمَانُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ نَصًّا وَاجْتِهَادًا وَيَصِيرُ مَقْصُورًا عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ نَصًّا وَاجْتِهَادًا ، وَيَصِحُّ فِيهَا قَوْلًا وَاحِدًا ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا ثَانِيًا: مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إِذَا جَمَعَتْ صَحِيحًا وَفَاسِدًا تَعْلِيلًا بِتَفْرِيقِهَا بِأَنَّ اللَّفْظَةَ تَعُمُّهَا ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْرِيجِ: لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ مِنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ ، وَيَجِبُ إِعْلَامُهُ بِحُكْمِنَا وَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، فَإِذَا عَلِمَ زَالَ الْأَمَانُ ، وَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ مُشْرِكٌ دَارَ الْإِسْلَامِ وَادَّعَى دُخُولَهَا بِأَمَانِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَسْرِهِ قُبِلَ فِيهِ إِقْرَارُ مَنِ ادَّعَى أَمَانَهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَسْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالْأَمَانِ: لِأَنَّهُ قَبْلَ الْأَسْرِ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ أَمَانَهُ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ أَمَانَهُ بَعْدَ الْأَسْرِ ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالْحَاكِمِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ فِي وِلَايَتِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى أَمَانِهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ بِهَا الْقَتْلَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَبَيِّنَةُ الْقَتْلِ شَاهِدَانِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي أَسِيرٍ قَدْ أَسْلَمَ فَادَّعَى تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ قَبْلَ أَسْرِهِ: طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي بَيِّنَتِهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ: لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِنَفْيِ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ دُونَ الْقَتْلِ ، وَذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَ حُكْمُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ أَنَّ عِلْجًا دَلَّ مُسْلِمِينَ عَلَى قَلْعَةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ جَارِيَةً سَمَّاهَا ، فَلَمَا انْتَهَوْا إِلَيْهَا ، صَالَحَ صَاحِبَ الْقَلْعَةِ عَلَى أَنْ يَفْتَحَهَا لَهُمْ وَيُخَلُّوا بَيْنَهْ وَبَيْنَ أَهْلِهِ"