فهرس الكتاب

الصفحة 6688 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا بِأَمَانٍ عَلَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْطٍ شَرَطَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ غَدَاةَ يَوْمِ الْفَتْحِ ، قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَى إِلْقَاءِ سِلَاحِهِمْ ، وَإِغْلَاقِ أَبْوَابِهِمْ ، وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى فَتْحِهَا صُلْحًا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِهَا ، فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ لِعَفْوِهِ عَنْهُمْ ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا ، هَلْ كَانَ عَفْوُهُ عَنْهُمْ خَاصًّا أَوْ عَامًّا لِجَمِيعِ الْوُلَاةِ: فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كَانَ هَذَا خَاصًّا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا فَتَحَهُ عَنْوَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ عَفْوُهُ عَامٌّ فِي الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ ، يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَعْفُوا عَمَّا فَتَحُوهُ عَنْوَةً كَمَا جَازَ عَفْوُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَقَدْ فَتَحَهَا عَنْوَةً ، وَهَذَا هُوَ تَأْثِيرُ الْخِلَافِ فِي فَتْحِهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا: أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى فَتْحِهَا صُلْحًا لَمْ يَجْعَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا فَتَحَ عَنْوَةً ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى فَتْحِهَا عَنْوَةً جَعَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا فَتَحَهُ عَنْوَةً ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى فَتْحِهَا عَنْوَةً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ [ الْفَتْحِ: 1 ، 2 ] يَعْنِي مَكَّةَ ، وَالْفَتْحُ الْمُبِينُ الْأَقْوَى ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْعَنْوَةُ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ النَّصْرِ: 1 ، 2 ] ، وَظَاهِرُ النَّصْرِ هُوَ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ ، وَبِقَوْلِهِ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، [ الْفَتْحِ: 24 ] . فَصَرَّحَ الْقَوْلَ بِالظَّفَرِ فَدَلَّ عَلَى الْعَنْوَةِ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ [ التَّوْبَةِ: 13 ] . وَهَذَا تَوْبِيخٌ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ، وَهَذَا أَمْرٌ بِالْقِتَالِ ، فَصَارَ حَتْمًا لَا يَجُوزُ عَلَى الرَّسُولِ خِلَافُهُ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ مُحَمَّدٍ: 35 ] . فَنَهَاهُ عَنِ السَّلْمِ مَعَ قُوَّتِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ قَوِيًّا ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْخَمْسُ مِنْ دَلَائِلِهِمْ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ بِنَقْلِ السِّيرَةِ الَّتِي نَقَلَهَا الرُّوَاةُ ، فَتَمَسَّكُوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ سَبَبُ الْفَتْحِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا نَقَضَتْ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ بِمَنْ قَتَلَتْ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَأَتَى وَفْدُ خُزَاعَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَنْصِرِينَ ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ ، ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو فَأَنْشَدَهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا حَتَّى أَتَى عَلَى شِعْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَحَقَّقَ هَذِهِ الْيَمِينَ بِمَسِيرِهِ بَعْدَ رَدِّ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ خَائِبًا ، وَسَارَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ فِيهِمْ أَلْفَا دَارِعٍ وَدَخَلَ بِهِمْ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت