عَلَى مَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْتَوْرِدُ ، فَأَخَذَ بِلَبَّتِهِ وَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ تَطْعَنُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - يَعْنِي عَلِيًّا - وَقَدْ أَخَذُوا مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْقَصْرِ فَخَرَجَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: اتَّئِدَا فَجَلَسْنَا فِي ظِلِّ الْقَصْرِ ، فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَجُوسِ ، كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ يُعَلِّمُونَهُ ، وَكِتَابٌ يُدَرِّسُونَهُ ، وَإِنَّ مَلِكَهُمْ سَكِرَ ، فَوَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَلَمَّا صَحَا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ فَدَعَا أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ ، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالَ: أَتَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِنْ دِينِ آدَمَ ، وَقَدْ كَانَ يُنْكِحُ بَنِيهِ مِنْ بَنَاتِهِ ، وَأَنَا عَلَى دِينِ آدَمَ مَا نَزَعْتُ بِكُمْ عَنْ دِينِهِ ، فَبَايَعُوهُ ، وَقَاتَلُوا الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُمْ ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَذَهَبَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ فَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ . وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ، وَانْتِشَارُ هَذَا مَعَ عَدَمِ الْمُخَالِفِ فِيهِ إِجْمَاعٌ مُنْعَقِدٌ ، وَلِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ ، وَهِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ تَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الدَّاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ، [ التَّوْبَةِ: 29 ] . وَلِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَنْتَسِبُونَ إِلَى نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ ، وَيَتَعَـبَّدُونَ بِدِينٍ مَشْرُوعٍ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ كِتَابٍ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَهُ ، وَيَعْتَقِدُونَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ لو قيل أن المجوس ليسوا بأهل كتاب فهل تحل مناكحهم وأكل ذبائحهم جَازَ إِقْرَارُهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِبَاحَةُ مَنَاكِحِهِمْ المجوس ، وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ المجوس . وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: إِنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَفِي اسْتِبَاحَةِ مَنَاكِحِهِمْ ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ لِثُبُوتِ كِتَابِهِمْ ، وَلِأَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ نَكَحَ مَجُوسِيَّةً بِالْعِرَاقِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ ، وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ: لِأَنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ ، فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، مَعَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأَعْصَارِ أَنَّهُ قَوْلُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَا عَلِمْنَا مُخَالِفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى بُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْكَرْخِ يَعْنِي أَبَا ثَوْرٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا تَفَرَّدَ بِقَوْلٍ خَالَفَ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَهُ صَارَ كَنَبِيٍّ يُشَرِّعُ الْأَحْكَامَ .