بَابُ نَقْضِ الْعَهْدِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِذَا نَقَضَ الَّذِينَ عَقَدُوا الصُلْحَ عَلَيْهِمْ ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ نقض العهد فَلَمْ يُخَالِفُوا النَّاقِضَ بِقَوْلٍ ، أَوْ فِعْلٍ ظَاهِرٍ ، أَوِ اعْتِزَالِ بِلَادِهِمْ ، أَوْ يُرْسِلُونَ إِلَى الْإِمَامِ أَنَّهُمْ عَلَى صُلْحِهِمْ: فَلِلْإِمَامِ غَزْوُهُمْ ، وَقَتْلُ مُقَاتِلَتِهِمْ ، وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ ، وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ ، وَهَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَنِي قُرَيْظَةَ عَقَدَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُهُمْ فَنَقَضَ ، وَلَمْ يُفَارِقُوهُ ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَشْرَكَ فِي الْمَعُونَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، وَلَكِنْ كُلُّهُمْ لَزِمَ حِصْنَهُ فَلَمْ يُفَارِقِ النَاقِضَ إِلَّا نَفَرٌ مِنْهُمْ ، وَأَعَانَ عَلَى خُزَاعَةَ وَهُمْ فِي عَقْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةُ أَنْفَارٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَشَهِدُوا قِتَالَهُمْ: فَغَزَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَامَ الْفَتْحِ بِغَدْرِ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْهُمْ ، وَتَرْكِهِمْ مَعُونَةَ خُزَاعَةَ ، وَإِيوَائِهِمْ مَنْ قَاتَلَهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ الْهُدْنَةَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ عَقْدُهَا مُوجِبًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِلْمُوَادَعَةِ ، وَهِيَ الْكَفُّ عَنِ الْمُحَارَبَةِ جَهْرًا ، وَعَنِ الْخِيَانَةِ سِرًّا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، [ الْأَنْفَالِ: 58 ] . وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهَا الْفَرِيقَانِ ، فَيَلْتَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَهُمَا ، وَلَا يَخْتَصَّ بِأَحَدِهِمَا: لِيَأْمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [ التَّوْبَةِ: 7 ] . فَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا ، وَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ الْمَائِدَةِ: 1 ] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ ، فَإِنْ نَقَضَ الْمُشْرِكُونَ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَقْدِ ، وَبَطَلَ أَمَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَصَارُوا بِنَقْضِهِ حَرْبًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ [ التَّوْبَةِ: 12 ] .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: