فهرس الكتاب

الصفحة 6844 من 8432

إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِهِمْ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ . فَإِنْ كَانَ مِنْ جَمِيعِهِمْ ، صَارَ جَمِيعُهُمْ حَرْبًا ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَانٌ عَلَى نَفْسٍ وَلَا مَالٍ نقض العهد . وَإِنْ نَقَضَهُ ، لَمْ يَخْلُ حَالُ النَّاقِضِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمُ الرِّضَا بِنَقْضِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ بِالرِّضَا كَمَا انْتَقَضَ بِهِ عَهْدُ الْمُبَاشَرَةِ ، وَيَصِيرُ جَمِيعُهُمْ حَرْبًا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمُ الْكَرَاهَةُ لِنَقْضِهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، فَيَكُونُوا عَلَى عَهْدِهِمْ ، وَلَا يَنْتَقِضُ فِيهِمْ بِنَقْضِ غَيْرِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [ الْأَعْرَافِ: 165 ] . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُمْسِكُوا عَنْهُ ، فَلَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمْ رِضًا بِهِ ، وَلَا كَرَاهَةٌ لَهُ فِي قَوْلٍ ، وَلَا فِعْلٍ ، فَيَكُونُ إِمْسَاكُهُمْ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الْأَنْفَالِ: 25 ] . وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ: بَاشَرَ عَقْرَهَا أُحَيْمِرٌ وَهُوَ الْقُدَارُ بْنُ سَالِفٍ ، وَأَمْسَكَ قَوْمُهُ عَنْهُ: فَأَخَذَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ بِذَنْبِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ، [ الشَّمْسِ: 14 ، 15 ] . وَفِي قَوْلِهِ: فَسَوَّاهَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْهَلَاكِ . وَالثَّانِي: فَسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضَ . وَالثَّالِثُ: فَسَوَّى بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ . وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: وَلَا يَخَافُ اللَّهُ عُقْبَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ . وَالثَّانِي: وَلَا يَخَافُ الَّذِي عَقَرَهَا عُقْبَى مَا صَنَعَ مِنْ عَقْرِهَا . وَالثَّالِثُ: وَلَا يَخَافُ صَالِحٌ عُقْبَى عَقْرِهَا: لِأَنَّهُ قَدْ أَنْذَرَهُمْ ، وَنَجَّاهُ اللَّهُ حِينَ أَهْلَكَهُمْ ، وَقَدْ وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِهِ ، فَجَعَلَهُ نَقْضًا مِنْهُمْ ، لِعَهْدِهِ ، فَغَزَاهُمْ ، وَأَجْلَاهُمْ . وَوَادَعَ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَعَانَ بَعْضُهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَنْدَقِ . وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَعَانَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَأَخُوهُ ، وَآخَرُ فَنَقَضَ بِهِ عَهْدَهُمْ ، وَغَزَاهُمْ ، حَتَّى قَتَلَ رُمَاتَهُمْ ، وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ . وَهَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ ، وَخُزَاعَةُ فِي حِلْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَارَبَ بَنُو بَكْرٍ خُزَاعَةَ ، وَأَعَانَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ ، وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ سَائِرُ قُرَيْشٍ ، فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَقْضًا لِعَهْدِ جَمِيعِهِمْ ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت