فهرس الكتاب

الصفحة 6865 من 8432

أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ . فَهَذَا نَصٌّ . وَلِأَنَّ مَا حَلَّ أَكْلُهُ بِفَوَاتِ نَفْسِهِ لَمْ يَحْرُمْ بِحُدُوثِ أَكْلِهِ كَالْمُذَكَّى: وَلِأَنَّ مَا حَلَّ مِنْ صَيْدِهِ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَلَّ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ بَعْدَ صَيْدِهِ ، ثُمَّ عَادَ ، فَأَكَلَ مِنْهُ: وَلِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ صَيْدِهِ ، وَأَكَلَ غَيْرُهُ مِنْ صَيْدِهِ لَمْ يَحْرُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ . وَإِنْ قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ: إِنْ أَكَلَ مَا أَكَلَ مِنْهُ حَرُمَ ، فَدَلِيلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَكَلَ مِنْهُ ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، لَا عَلَى مُرْسِلِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ ، وَإِنْ قَتَلَ إِلَّا أَنْ يَأَكُلَ مِنْهُ ، فَلَا تَأَكُلْ . وَهَذَا نَصٌّ . وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْلِيمِ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ ، وَإِذَا أَكَلَ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ ، فَحَرُمَ: وَلِأَنَّ أَكْلَهُ وَإِنِ احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نِسْيَانُ التَّعْلِيمِ ، فَمُحَرَّمٌ . وَالثَّانِي: لِغَلَبَةِ الْجُوعِ ، فَلَا يُحَرَّمُ . وَجَبَ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا أَنْ يُعَادَ إِلَى أَصْلِهِ فِي الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ كَمَا لَوِ اخْتَلَطَ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ لَمْ يَحِلَّ الِاجْتِهَادُ فِيهِ: تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ: وَلِأَنَّ الصَّيْدَ الْوَاحِدَ لَا يَتَبَعَّضُ حُكْمُهُ ، فَلَمَّا كَانَ مَا أَكَلَهُ قَدْ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، كَذَلِكَ بَاقِيهِ ، وَمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ حَرَامٌ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا أَكَلَ مِنْهُ ، فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ صَيْدِهِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَلَالٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ جَمِيعُ صَيْدِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَكْلِهِ مِنَ الصَّيْدِ الْمُسْتَأْخِرِ: اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَكْلَ إِذَا كَانَ مُنَافِيًا لِلتَّعْلِيمِ في الصيد دَلَّ حُدُوثُهُ مِنْهُ عَلَى تَقَدُّمِهِ فِيهِ ، فَصَارَ صَائِدًا لِجَمِيعِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ كَالشَّاهِدَيْنِ إِذَا شَهِدَا ، وَهُمَا عَدْلَانِ فِي الظَّاهِرِ ، فَلَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا فَفَسَقَا لَمْ يَحْكُمْ بِهَا ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى فِسْقِهِمَا: لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْفِسْقِ فِيهِمَا . وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيمَ يَنْقُلُهُ عَنْ طَبْعِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ مَعَ الْآخَرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَيْرُهُ مُنْتَقِلًا مَعَ الْأَوَّلِ ، وَصَارَ تَرْكُ أَكْلِهِ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا لَا تَعْلِيمًا . وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [ الْمَائِدَةِ: 4 ] وَقَدْ أَمْسَكَ عَلَى مُرْسِلِهِ بِمَا تَقَدَّمَ فَحَلَّ: لِأَنَّ مَا وُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِبَاحَةِ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ تَقَدُّمُهَا فِي غَيْرِهِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت