فهرس الكتاب

الصفحة 7005 من 8432

وَلِأَنَّ الْعَقْرَ مِنْ جَمِيعِ الْمُذَكَّى مُعْتَبَرٌ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِهِ فِي بَعْضِهِ وَإِسْقَاطِهِ فِي بَعْضِهِ ، وَقَدِ اعْتَبَرْتُمُ الْعَقْرَ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَأَسْقَطْتُمُوهُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ [ الْمَائِدَةِ ] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ أَجِنَّتُهَا إِذَا وُجِدَتْ مَيْتَةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا يَحِلُّ أَكْلُهَا بِذَكَاةِ الْأُمَّهَاتِ ، وَهَذَا مِنْ أَوَّلِ أَحْكَامِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ ، وَالْغَالِبُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا نَقْلًا . وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ . فَجَعَلَ إِحْدَى الذَّكَاتَيْنِ نَائِبَةً عَنْهُمَا ، أَوْ قَائِمَةً مَقَامَهُمَا ، كَمَا يُقَالُ: مَالُ زَيْدٍ مَالِي ، وَمَالِي مَالُ زَيْدٍ . يُرِيدُ أَنَّ أَحَدَ الْمَالَيْنِ يَنُوبُ عَنِ الْآخَرِ ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيهَ دُونَ النِّيَابَةِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْجَنِينَ عَلَى الْأُمِّ ، فَصَارَ تَشْبِيهًا بِالْأُمِّ ، وَلَوْ أَرَادَ النِّيَابَةَ لَقَدَّمَ الْأُمَّ عَلَى الْجَنِينِ فَقَالَ: ذَكَاةُ الْأُمِّ ذَكَاةُ جَنِينِهَا - فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ الْجَنِينِ مُنْطَلِقٌ عَلَيْهِ ، إِذَا كَانَ مُسْتَجَنًّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، فَيَزُولُ عَنْهُ الِاسْمُ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا ، فَيُسَمَّى وَلَدًا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [ النَّجْمِ: 32 ] . وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يُقْدَرُ عَلَى ذَكَاتِهِ ، فَبَطَلَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّشْبِيهِ ، وَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى النِّيَابَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّشْبِيهَ دُونَ النِّيَابَةِ ، لَسَاوَى الْأُمَّ غَيْرُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْأُمِّ فَائِدَةٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النِّيَابَةِ دُونَ التَّشْبِيهِ ، لِيَصِيرَ لِتَخْصِيصِ الْأُمِّ تَأْثِيرٌ . وَالثَّالِثُ: لَوْ أَرَادَ التَّشْبِيهَ لَنَصَبَ"ذَكَاةُ أُمِّهِ"لَحَذْفِ كَافِ التَّشْبِيهِ ، وَالرِّوَايَةُ مَرْفُوعَةٌ: ذَكَاةُ أُمِّهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ النِّيَابَةَ دُونَ التَّشْبِيهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ بِالنَّصْبِ: ذَكَاةَ الْجَنِينِ ذَكَاةَ أُمِّهِ . قِيلَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، وَلَوْ سَلِمَتْ لَكَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى نَصْبِهَا بِحَذْفِ"يَا"النِّيَابَةِ دُونَ كَافِ التَّشْبِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلِأَنَّ إِثْبَاتُ الذَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَفْيِهَا ، لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ ، وَلَا نَفْعَلُ النَّفْيَ مِنَ الْإِثْبَاتِ كَمَا لَا نَفْعَلُ الْإِثْبَاتَ مِنَ النَّفْيِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ ، وَلَوِ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَكَانَتَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ ، فَتُسْتَعْمَلُ الرِّوَايَةُ الْمَرْفُوعَةُ عَلَى النِّيَابَةِ إِذَا خَرَجَ مَيْتًا ، وَتُسْتَعْمَلُ الرِّوَايَةُ الْمَنْصُوبَةُ عَلَى التَّشْبِيهِ إِذَا خَرَجَ حَيًّا ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِمَّنِ اسْتَعْمَلَ إِحْدَاهُمَا ، وَأَسْقَطَ الْأُخْرَى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت