فهرس الكتاب

الصفحة 7132 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ انعقاد اليمين بكل منها ثَلَاثَةٌ: الْوَاوُ وَهِيَ أَصْلُهَا ، ثُمَّ الْيَاءُ ، ثُمَّ التَّاءُ ، فَأَمَّا الْوَاوُ فَقَوْلُهُ: وَاللَّهِ ، وَهُوَ الْحَرْفُ الصَّرِيحُ فِي الْقَسَمِ ، فَإِذَا قَالَ: وَاللَّهِ ، كَانَ حَالِفًا ، لَا يُرْجَعُ إِلَى إِرَادَتِهِ فِي ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَأَمَّا الْبَاءُ الْمُعْجَمَةُ مِنْ تَحْتُ ، فَقَوْلُهُ: بِاللَّهِ ، وَفِيهَا بَعْضُ الِاحْتِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ غَالِبِ الْأَحْوَالِ فِي الْقَسَمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ: بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ وَبِاللَّهِ أَتَّقِي ، وَبِاللَّهِ أَوَمِنُ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْقَسَمَ ، أَوْ قَالَ مُطْلَقًا كَانَ يَمِينًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَسَمَ ، وَأَرَادَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ احْتِمَالِهِ دِينَ فِي الْبَاطِنِ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَكَانَ حَالِفًا فِي الظَّاهِرِ ، اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ الظَّاهِرِ ، وَلَزِمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ، وَأَرَادَ مِنْ وِثَاقٍ دَيْنٍ فِي الْبَاطِنِ وَكَانَ طَلَاقًا فِي الظَّاهِرِ . وَأَمَّا التَّاءُ الْمُعْجَمَةُ مِنْ فَوْقُ ، فَقَوْلُهُ: تَاللَّهِ ، فَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِيلَاءِ أَنَّهَا يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ [ الْأَنْبِيَاءِ: 57 ] قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [ يُوسُفَ: 91 ] . وَنَقْلَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَسَامَةِ: تَاللَّهِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ مَا نَقَلَهُ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ:"بِاللَّهِ"لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، بِالْبَاءِ مُعْجَمَةٍ مِنْ تَحْتُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ تَاللَّهِ يَمِينًا قَوْلًا وَاحِدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ ، لِضَبْطِهِ فِي نَقْلِهِ ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مَعَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِي كَيْفِيَّةِ تَخْرِيجِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ ثَانٍ ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ النَّقْلِ فِيهِ . أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعْتَبَرَ فِيهِ إِرَادَةٌ: لِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ بِهَا وَارِدٌ: وَلِأَنَّ التَّاءَ فِي الْقَسَمِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ، فَقَامَتْ مَقَامَهَا فِي الْحُكْمِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إِلَّا أَنْ يُرِيدَهَا يَمِينًا ، فَتَصِيرُ بِالْإِرَادَةِ يَمِينًا لِخُرُوجِهَا عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْتِبَاسِهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ ، وَالْأَيْمَانُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا ، وَعِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ مُشْتَهِرًا ، فَهَذَا وَجْهٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا فِي خَوَاصِّ النَّاسِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَنَّ التَّاءَ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ وَلَا تَكُونُ فِي الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت