فهرس الكتاب

الصفحة 7180 من 8432

وَحْدَهُ ، اعْتِبَارًا بِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ ، كَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ فِي اتِّبَاعِ أَبَوَيْهِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ فِيهَا تَابِعًا لِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ ، وَهُوَ النَّسَبُ . وَالثَّانِي: مَا كَانَ فِيهَا تَابِعًا لِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ ، وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ ، فَأَمَّا مَا يَنْفَرِدُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ فَخَارِجٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطُّورِ: 21 ] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَوْلَادَ يَتَّبِعُونَ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتَ فَيَ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِسْلَامُ يَعْلُو ، وَلَا يُعْلَى ، وَقَدْ خُلِقَ وَلَدٌ مِنْ مَاءِ الْأَبَوَيْنِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا وَكُفْرُ الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يَعْلُوَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْكُفْرِ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ فَجَعَلَ اجْتِمَاعَ أَبَوَيْهِ سَبَبًا لِشُهُودِهِ ، فَخَرَجَ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْيَهُودِيَّةِ: وَلِأَنَّهُ لَوِ افْتَرَقَ حُكْمُ أَبَوَيْهِ فِي إِسْلَامِهِ لَكَانَ اعْتِبَارُهُ بِأُمِّهِ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا قَطْعًا ، وَمِنْ أَبِيهِ ظَنًّا . فَأَمَّا السَّبَبُ فَلَا يَلْزَمُ لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي التَّحْرِيمِ مُعْتَبَرٌ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصَارَ بِالدِّينِ أَشْبَهَ ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَقْسِيمِ الْحُكْمَيْنِ فَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهِمَا ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنَّ حُرِّيَّةَ الْأَبِ تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ إِذَا وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَرِقُّ الْأُمِّ يُوجِبُ رِقَّ الْوَلَدِ إِذَا وَطِئَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ ، فَصَارَتِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ مُعْتَبَرَيْنِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ وَيَصِيرُ هَذَا قِسْمًا ثَالِثًا .

فَصْلٌ: فَإِذَا صَحَّ إِسْلَامُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِإِسْلَامِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ ، فَعِتْقُ الصَّغِيرِ فِي الْكَفَّارَةِ هل يجزئ مُجْزِئٌ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ الزَّمِنِ: لِأَنَّ نَقْصَ الصَّغِيرِ يَزُولُ ، وَنَقْصِ الزَّمَانَةِ لَا يَزُولُ ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، مُسْتَغْنِيًا عَنِ التَّرْبِيَةِ كَالْمُرَاهِقِ ، أَوْ كَانَ طِفْلًا يُرَبَّى كَالرَّضِيعِ: لِأَنَّهُ يَنْشَأُ وَيَسْتَكْمِلُ وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِي الصَّدَقَاتِ وَلَا يَجِبُ عَلَى مُعْتِقِهِ ، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِهَا حَتَّى يَبْلُغَ هُوَ الِاكْتِسَابَ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ تَجِبْ ، فَأَمَّا عِتْقُ الْمَجْنُونِ في الكفارة فَلَا يُجْزِئُ إِنْ كَانَ جُنُونُهُ مُسْتَدِيمًا طَبْعًا ، وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ حكم عتقه في الكفارة ، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ فِي زَمَانٍ ، وَيُفِيقُ فِي زَمَانٍ ، فَإِنْ كَانَ زَمَانُ جُنُونِهِ أَكَثُرَ مِنْ زَمَانِ إِفَاقَتِهِ ، أَوْ كَانَا سَوَاءً لَمْ يُجْزِهِ عِتْقُهُ ، وَإِنْ كَانَ زَمَانُ إِفَاقَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ جُنُونِهِ ، فَفِي إِجْزَاءِ عِتْقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ كَمَا يُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ قَلَّ عَيْبُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الْجُنُونِ يَصِيرُ كَثِيرًا ، فَأَمَّا عِتْقُ الْأَحْمَقِ فَيُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِتَدْبِيرِ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا عِتْقُ الْفَاسِقِ فَمُجْزِئٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت