أَحَدُهُمَا: أَنَّ نُفُوسَ الْآدَمِيِّينَ أَشَحُّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِحُقُوقِهِ أَسْمَحُ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهَا أَبْدَالًا وَأَسْقَطَهَا بِالشُّبَهَاتِ . وَالثَّانِي: أَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا مُتَعَيَّنُونَ ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّهَا ، وَمَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ أَوْكَدُ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ كِلَا الْحَقَّيْنِ سَوَاءٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُوبِ وَتَسَاوِيهِمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَتُقَسَّطُ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْحَقَّيْنِ . وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مُتَعَلِّقَةً بِالْعَيْنِ ، فَإِنْ تَغَايَرَتِ اخْتَصَّتْ كُلُّ عَيْنٍ بِمُسْتَحَقِّهَا ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ أَشَارَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَدِّمُ فِيهَا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ( فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ الميت ، فَإِنْ حَمَلَ ثُلُثُهُ الْعِتْقَ أُعْتِقَ عَنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ مِثْلَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِيهَا مِنْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا أَوْ لَا يُوصِيَ ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ أُخْرِجَتِ الْكَفَّارَةُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، فَإِنِ احْتَمَلَ الْعِتْقَ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ فَأُعْتِقَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْ تَرِكَتُهُ الْعِتْقَ صَارَ مُعْسِرًا بِهِ ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى الصِّيَامِ: لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ النِّيَابَةُ ، وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْإِطْعَامِ ، وَإِنْ أَوْصَى بِالتَّكْفِيرِ عَنْهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، فَيَكُونَ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ ، وَتَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِهِ تَأْكِيدًا . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ثُلُثِهِ فَتَصِيرَ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ ، وَهُوَ بِهَا مُرَفَّهٌ عَلَى وَرَثَتِهِ ، فَإِنْ وَفَّى الْعِتْقَ مِنَ الثُّلُثِ وَإِلَّا كَمَّلَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ الْوَصِيَّةَ بِهِ وَلَا يُسَمِّيَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مِنَ الثُّلُثِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَمْلًا لِلْوَصِيَّةِ عَلَى التَّأْكِيدِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ حَمْلًا لِلْوَصِيَّةِ عَلَى التَّأْثِيرِ وَالتَّرْفِيهِ .