النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُعْتَبَرُ حُكْمُ عُرْفِهِ أَوْ يُعْتَبَرُ مَا لَا تَسْتَنْكِرُهُ النُّفُوسُ مِنْ فِعْلِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ حُكْمُ عُرْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِهِ ، فَعَلَى هَذَا فِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ مَا لَا تَسْتَنْكِرُهُ النُّفُوسُ مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ فِعْلَيْنِ أَوْ لَا يَكُونُ أَمْرَانِ ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَى يَكُونَا جَمِيعًا وَحَتَى يَأْكُلَ كُلَّ الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَقْدُ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلَيْنِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إِثْبَاتِهِمَا . وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْيِهِمَا . فَإِنْ كَانَتْ مَعْقُودَةً عَلَى إِثْبَاتِهِمَا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ ، وَلَأَلْبَسَنَّ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ ، وَلِأَرْكَبَنَّ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إِلَّا بِفِعْلِهِمَا فَيَأْكُلُ الرَّغِيفَيْنِ ، وَيَلْبَسُ الثَّوْبَيْنِ وَيَرْكَبُ الدَّابَّتَيْنِ ، فَإِنْ أَكَلَ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ وَلَبِسَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ وَرَكِبَ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ لَمْ يَبَرَّ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَى نَفْيٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ ، وَلَا لَبِسْتُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ ، وَلَا رَكِبْتُ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِهِمَا ، كَمَا لَا يَبَرُّ إِلَّا بِهِمَا ، فَإِنْ أَكَلَ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ ، وَلَبِسَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ ، وَرَكِبَ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ . وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِهِمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِثْبَاتَ إِبَاحَةٌ ، وَالنَّفْيَ حَظْرٌ ، وَالْحَظْرَ أَغْلَبُ مِنَ الْإِبَاحَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَيْمَانَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّغْلِيظِ ، وَالتَّغْلِيظُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَحْنَثَ بِأَحَدِهِمَا ، وَفِي الْإِثْبَاتِ أَنْ لَا يَبَرَّ إِلَّا بِهِمَا ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ بَعْضِ الشَّيْءِ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ جَمِيعِهِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا وِفَاقًا وَشَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ . وَلَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّهَا ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَبَرَّ ، وَهَذَا وِفَاقٌ قَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ ، قَدِ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسَاجِدِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْهُ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا لِتَغْسِلَهُ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي اعْتِكَافِهِ .