فهرس الكتاب

الصفحة 7310 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هِبَةٌ ، فَإِنْ أَسْكَنَهُ فَإِنَّمَا هِيَ عَارِيَةٌ لَمْ يُمْلِكْهُ إِيَّاهَا ، فَمَتَى شَاءَ رَجَعَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ حُبِسَ عَلَيْهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً ، فَالْهِبَةُ مِمَّا تَبَرَّعَ بِتَمْلِيكِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَتَمَلَّكُ عَنْهَا ، فَيَحْنَثُ بِالْهِبَةِ إِذَا قَبَضَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَيَحْنَثُ بِالْهَدِيَّةِ إِذَا قُبِضَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا عُقْدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُعْتَبَرُ فِي الْهِبَاتِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْهَدَايَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي كِتَابِ الْعَطَايَا وَيَحْنَثُ بِالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْهِبَاتِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ ، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، ثُمَّ إِذَا قُبِضَتِ الْهِبَةُ عَنْ عَقْدٍ تَقَدَّمَهَا ، فَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ حَتَّى يَمْلِكَ الْهِبَةَ: أَحَدُهُمَا: بِالْقَبْضِ ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ وَقْتَ إِقْبَاضِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ الْقَبْضُ عَلَى مِلْكِهَا وَقْتَ عَقْدِهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَانِثًا وَقْتَ الْعَقْدِ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا عَقَدَ الْهِبَةَ وَنَقَلَ أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَرَدَّهَا ، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَتِمَّ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْنَثُ لِتَعَلُّقِهَا بِفِعْلِهِ ، تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ ، وقد حلف ألا يهب له فَالصَّدَقَةُ ضَرْبَانِ فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ ، فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا اتِّفَاقًا لِخُرُوجِهَا عَنْ تَبَرُّعِ الْهِبَاتِ ، وَلَوْ كَانَتْ تَطَوُّعًا كَانَتْ هِبَةً يَحْنَثُ بِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ مِنَ الْهِبَاتِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا ؛ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمَا فِي الِاسْمِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمًا . وَالثَّانِي: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحُكْمِ ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا . وَدَلِيلُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: لِاتِّفَاقِهِمَا فِي التَّبَرُّعِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَبَرِّعٌ . وَالثَّانِي: لِاتِّفَاقِهِمَا فِي سُقُوطِ الْبَدَلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ ؛ فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الِاسْمِ ؛ فَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ فِي الْهِبَةِ ، فَدَخَلَتْ فِي اسْمِ الْعُمُومِ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحُكْمِ فَهُمَا فِيهِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ ؛ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْمَقَاصِدِ . فَالْهَدِيَّةُ لِمَنْ عَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت