فهرس الكتاب

الصفحة 7323 من 8432

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَالْمُجَازَاةِ ؛ لِعُمُومِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مَرْيَمَ: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي [ آلِ عِمْرَانَ: 35 ] ، فَأَطْلَقَ نَذْرَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْلِيقَهُ بِشَرْطٍ وَجَزَاءٍ ، فَدَلَّ عَلَى لُزُومِ النَّذْرَيْنِ فِي التَّبَرُّرِ وَالْمُجَازَاةِ . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ، [ التَّوْبَةِ: 77 ] ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِوَعْدِهِ فِي الْأَمْرَيْنِ . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ النَّذْرَيْنِ . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ نَذْرٍ بِطَاعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ فِي الْمُجَازَاةِ ، وَالتَّبَرُّرِ ، كَالْأُضْحِيَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ، وَالْوَفَاءُ بِهِ وَاجِبٌ تَمَسُّكًا بِدَلِيلِ لُغَةٍ وَشَرْعٍ . أَمَّا اللُّغَةُ فَمَا حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ ، أَنَّ النَّذْرَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ بِشَرْطٍ ، فَكَانَ عُرْفُ اللِّسَانِ فِيهِ مُسْتَعْمَلًا . وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِاسْتِقْرَارِ أُصُولِهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي اللُّزُومِ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ وَبَيْنَ عُقُودِ غَيْرِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ بِالْعَقْدِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ نَذْرُ الْمُعَاوَضَةِ لَازِمًا بِالْعَقْدِ ، وَنَذْرُ غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ غَيْرَ لَازِمٍ بِالْعَقْدِ ، وَكِلَا الِاسْتِدْلَالَيْنِ مَدْخُولٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَعُرْفُ اللِّسَانِ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ: فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لِقَوْلِي وَأَمَّا نَذْرُ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، وَلَا قُرْبَةٍ فَكَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَصْرَةَ أَوْ لَا أَدْخُلَهَا ، أَوْ آكُلَ لَذِيذًا ، أَوْ لَا آكُلَهُ ، أَوْ أَلْبَسَ جَدِيدًا ، أَوْ لَا أَلْبَسَهُ فَلَيْسَ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا قُرْبَةٌ إِلَيْهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ فِعْلَهُ وَتَرَكَهُ فَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُ ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكِ قِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَزَوَّجَ ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ غَضَّ الطَّرْفِ وَتَحْصِينَ الْفَرْجِ ، كَانَ قُرْبَةً ؛ فَيَكُونُ وَاجِبًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ وَالتَّلَذُّذَ كَانَ مُبَاحًا ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ ؛ فَهَذَا حُكْمُ عَقْدِ الْبَابِ فِي أُصُولِ النُّذُورِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت