غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا نَظَرٍ ، وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ مُجْمَلٌ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ: لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ جَلِيٌّ ، وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ خَفِيٌّ . وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِمُطْلَقِ الْعُمُومِ صِيغَةً تُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ فِي أَدِلَّةِ تَخْصِيصِهِ ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَخُصُّهُ اسْتُعْمِلَ بَاقِيهِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَخُصُّهُ أُجْرِيَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ النَّظَرِ وَلَا يَصِيرُ مُجْمَلًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ ، لِأَنَّهُ قَبْلَ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مُتَكَافِئُ الِاحْتِمَالِ ، وَبَعْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مُتَرَجِّحُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَلَيْسَ لِزَمَانِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا هُوَ مُعْتَبِرٌ بِمَا يُؤَدِّيهِ الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجَاءِ وَالْإِيَاسِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَدِلَّةُ التَّخْصِيصِ تُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَعَةِ أُصُولٍ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ . فَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ: فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [ الْبَقَرَةِ: ] . فَاقْتَضَى عُمُومُهُ إِيجَابَ الْعِدَّةِ عَلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ فَخَصَّ مِنْهُ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [ الْأَحْزَابِ: ] . وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ: فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [ الْمَائِدَةِ: ] . خَصَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ"وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا أَكْثَرَ ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [ التَّوْبَةِ: ] . وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ . وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْإِجْمَاعِ: فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النِّسَاءِ: ] . خَصَّهُ الْإِجْمَاعُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ . وَخَصَّتْهُ السُّنَّةُ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ وَالْكَافِرَ لَا يَرِثَانِ فَصَارَا بَعْضَهَا مَخْصُوصًا بِالسُّنَّةِ وَبَعْضَهَا مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ: فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النُّورِ: ] . ثَمَّ خُصَّتِ الْأَمَةُ بِنِصْفِ الْحَدِّ نَصًّا بِقَوْلِهِ: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، [ النِّسَاءِ: ] . ثُمَّ خُصَّ الْعَبْدُ بِنِصْفِ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَةِ فَصَارَ بَعْضُ الْآيَةِ مَخْصُوصًا بِالْكِتَابِ وَبَعْضُهَا مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُوا مِنْهَا [ الْحَجِّ: ] . ثُمَّ خَصَّ الْإِجْمَاعُ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَخَصَّ الْقِيَاسُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ ، وَالْقُرْآنُ قِيَاسًا عَلَى جَزَاءِ الصَّيْدِ ؛ فَصَارَ بَعْضُ الْآيَةِ مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ وَبَعْضُهَا مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ .