وَإِنْ عَلِمَ إِسْلَامَهُمْ وَجَهِلَ عَدَالَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْ عَدَالَةِ ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ فَيَحْكُمَ بِهَا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ . وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ سِيمَا حَسَنٌ وَسَمْتٌ جَمِيلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَعْمَلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْهَا إِلَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا ، أَوْ يَجْرَحُهُمُ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، فَيَلْزَمُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْهَا فِيمَا عَدَاهُمَا . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ لَهُمْ سِيَمَا جَمِيلٌ وَسَمْتٌ حَسَنٌ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدَالَتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِيمَا وَسَمْتٌ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ ، إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ"وَسَطًا"وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ . هُمْ وَسَطٌ تَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَهُمْ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَقَالَ لَهُ:"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟"قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالصِّيَامِ مِنَ الْغَدِ ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ عَدَالَتِهِ ، وَعَمَلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ"الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي فِرْيَةٍ فَحَكَمَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ . وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ:"الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى السَّرَائِرَ ، وَدَرَأَ الْحُدُودَ بِالْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ وَهَذَا عَهْدٌ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ . وَقَالُوا: وَلِأَنَّ الْفِسْقَ طَارِئٌ بِمَا يَسْتَحْدِثُهُ مِنْ فِعْلِ الْمَعَاصِي بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَدَامَ حُكْمُ عَدَالَتِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهَا مِنْ فِسْقِهِ .