فهرس الكتاب

الصفحة 7540 من 8432

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ إِسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَجَبَ اعْتِبَارُ عَدَالَتِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ . وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ لِأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ لَمَّا اعْتُبِرَتْ عَدَالَةُ ظَاهِرِهِمْ دُونَ بَاطِنِهِمْ كَانَ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْلَى . وَلِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ فِي شُهُودِ الْمَنَاكِحِ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ ، كَذَلِكَ شُهُودُ غَيْرِ الْمَنَاكِحِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطَّلَاقِ: ] . وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ ، وَنَهَى عَنِ الْفَاسِقِ ، فَوَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِمْ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمْ ، وَلَا يَحْكُمُ بِالْعَدَالَةِ عَنْ جَهَالَةٍ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِالْفِسْقِ عَنْ جَهَالَةٍ لِاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ . وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ فَائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ ، . قَالَ: هُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَصَاحِبُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ فَدَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنِ الْعَدَالَةِ . وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ عَدَالَةٍ شُرِطَتْ فِي الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الْجَهَالَةِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ . وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهَا فِي الْحُدُودِ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ كَمَا لَوْ طَعَنَ فِيهَا الْخَصْمُ . وَلِأَنَّ كُلَّ عَدَالَةٍ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهَا إِذَا طَعَنَ فِيهَا الْخَصْمُ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَطْعَنِ الْخَصْمُ كَالْحُدُودِ . وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ الِاعْتِبَارِ ، فَهُمُ اعْتَبَرُوهَا بِالظَّاهِرِ وَنَحْنُ نَعْتَبِرُهَا بِالْبَحْثِ وَالْبَحْثُ أَقْوَى مِنَ الظَّاهِرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالِاعْتِبَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِظْهَارِ . وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ بِالظَّاهِرِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ فِيهَا كُفَّارًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَالَتِهِ بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ: لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ فُسَّاقًا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [ الْبَقَرَةِ: ] . فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت