فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 8432

وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَجَعَلَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَمًا فِي تَحْرِيمِ قِتَالِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ دُونَ الصَّلَاةِ ، وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ ، فَقَالَ:"إِذَا لَمْ أَعْدِلْ أَنَا فَمَنْ يَعْدِلُ ؟ وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرَاءَهُ لِيَقْتُلَهُ ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَرَجَعَ ، وَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ لِأَنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَقَدْ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ ، فَبَعَثَ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرَاءَهُ لِيَقْتُلَهُ ، فَرَجَعَ كَذَلِكَ ، فَبَعَثَ بِعَلِيٍّ وَرَاءَهُ وَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُدْرِكَهُ . فَذَهَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَجِدْهُ . فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِصَلَاتِهِ لَمْ يَأْمُرْ عُمَرَ ، وَعَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، بِقَتْلِهِ . فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ . قِيلَ: تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّفَاقِ الْحُكْمِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِفِعْلِهِ مُنْفَرِدًا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِفِعْلِهِ جَامِعًا كَالْمُصَلِّي فِي السَّفَرِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا يَكُونُ كَافِرًا بِتَرْكِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَ فِعْلِهِ ، أَصْلُهُ إِذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا ، وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ مُنْفَرِدًا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ يَجِبُ إِذَا فَعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ أَلَّا يُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ كَالْجِهَادِ ، وَلِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِسْلَامِهِ كَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التَّوْبَةِ: ] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَارَةِ الْبِنَاءُ دُونَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ الِاسْمِ وَعُرْفِهِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهَا: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [ التَّوْبَةِ: ] . فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعِمَارَةِ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَ الْإِقَامَةِ ثَانِيَةً . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَنْ عَمَّرَ مَسَاجِدَ اللَّهِ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْمُؤْمِنُ مَنْ يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، فَجَعَلَ الْإِيمَانَ دَلَالَةً عَلَى الْعِمَارَةِ وَدَلَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا . . . الْحَدِيثَ"فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ ، وَإِنْ صَلَّى صَلَاتَنَا كَانَ لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا ، غَيْرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا صَلَاةَ لَهُ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلَا إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت