فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 8432

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُلَازِمُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ فَمَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِاتِّفَاقٍ ، لِأَنَّهُ بِمُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا . فَإِنْ قَالُوا: أَرَادَ بِهِ إِذَا لَازَمَ الْمَسْجِدَ مُصَلِّيًا . قِيلَ لَهُمْ: إِنْ أَرَادَ بِهِ إِذَا لَازَمَ الْمَسْجِدَ مُتَشَهِّدًا بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ بِهِ تَثْبِيتُ حُكْمِ تَارِكِهَا دُونَ فَاعِلِهَا ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:"فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ"عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَذَانِ فَنُبَيِّنُ أَوَّلًا مَذْهَبَنَا فِيهِ ، ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، أَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِنْ قَالَ ابْتِدَاءً لَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلًا مُسْلِمًا بِنِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَيَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَاصِدًا بِإِتْيَانِهِ إِظْهَارَ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَمَا لَوْ قَالَ حَاكِيًا . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ ، إِمَّا فِي صَلَاةٍ أَوْ أَذَانٍ ، بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَصِيرُ الْأَذَانُ أَصْلًا لَهُمْ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: عِبَادَةٌ يَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ أَنْ لَا يُسْلِمَ فِي الْأَذَانِ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِالشَّهَادَتَيْنِ فَيَ الْأَذَانِ لَا بِالْأَذَانِ ، وَالْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ ، بَلْ يَجُوزُ مُسْتَقْبِلًا لِلْبَيْتِ وَمُسْتَدْبِرًا ، وَقَوْلُهُمْ:"أَتَى بِكَمَالِهِ"، لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ ، وَهُوَ الْأَذَانُ ، لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ صَارَ مُسْلِمًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلِ الْأَذَانَ ، وَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا انْتَقَضَتِ الْعِلَّةُ بِالْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا ، عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا يُمْكِنُ . لِأَنَّهُمْ إِنْ قَالُوا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لَمْ يَصِحَّ فِي الصَّلَاةِ: لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ عِنْدَهُمْ . وَإِنْ قَالُوا فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ يَصِيرُ مُسْلِمًا ، عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي الشَّهَادَتَيْنِ إِنَّمَا صَارَ بِهَا مُسْلِمًا: لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ مُنْفَرِدًا كَانَ مُسْلِمًا ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا أَتَى بِهَا مُنْفَرِدًا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ ، عَلَى أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا صَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِكُفْرِهِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ إِمَامِهِ الْكَافِرِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت