فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 8432

إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُظْهِرًا لِكُفْرِهِ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدِينَ ، فَصَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَاطِلَةٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ كَالْمُصَلِّي خَلْفَ جُنُبٍ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَافِرَ مَعَهُ عِلْمٌ ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ ، لِأَنَّهُ يُوجَدُ لَا يَدِينُ بِلُبْسِ الْغِيَارِ ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ ، وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ ، فَإِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ فَلِتَفْرِيطِهِ وَقِلَّةِ تَأَمُّلِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ إِمَامَةَ الْكَافِرِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ ، وَإِمَامَةُ الْجُنُبِ قَدْ تَجُوزُ بِحَالٍ ، وَهُوَ الْمُتَيَمِّمُ إِذَا صَلَّى بِالْمُتَطَهِّرِ ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَجْنَبَ جَمَاعَةٌ وَلَا يَجِدُونَ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ جَازَ أَنْ يَأْتَمُّوا بِأَحَدِهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِجَنَابَتِهِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ اخْتِلَافُ حُكْمِهِمَا فِي الِائْتِمَامِ بِهِمَا ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِالْكَافِرِ مِنْهُمَا . وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِكُفْرِهِ كَالزَّنَادِقَةِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْعِلْمِ الدَّالِّ عَلَى كُفْرِهِ ، وَهَذَا غَلَطٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ إِمَامَةِ الْكَافِرِ بِكُلِّ حَالٍ ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِمَنْ لَا يُعْرَفُ بِالْكُفْرِ وَلَا بِالْإِسْلَامِ ، فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الدَّارِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا إِلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِكُفْرِهِ مَنْ يَسْكُنُ إِلَيْهِ ، وَيَثِقُ بِهِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِمُرْتَدٍّ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، فَلَوْ شَكَّ فِي إِسْلَامِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ رِدَّتِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ اعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِرَجُلٍ كَانَتْ لَهُ حَالَانِ: حَالُ رِدَّةٍ وَحَالُ إِسْلَامٍ ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ أَمَّهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ:"أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ". وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِسْلَامِ لَهُ فِي الْحَالِ يَرْفَعُ حُكْمَ رِدَّتِهِ ، وَيَدُلُّ فِي الظَّاهِرِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ ، وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا أَسْلَمَ ثُمَّ جَحَدَ إِسْلَامَهُ وَقَدِ ائْتَمَّ بِهِ مُسْلِمُونَ . فَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ مِنْهُمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَقَبْلَ جُحُودِهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ: لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ جُحُودِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ بِالْجُحُودِ مُرْتَدٌّ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَمَنْ أَحْرَمَ فِي مَسْجِدٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ فَتَقَدَّمَ بِجَمَاعَةٍ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُسَلِّمَ يَكُونَانِ لَهُ نَافِلَةً ، وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مَعَهُ ، وَكَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا صَلَاةَ انْفِرَادٍ ، ثُمَّ يَجْعَلَهَا صَلَاةَ جَمَاعَةٍ ، وَهَذَا يُخَالِفُ صَلَاةَ الَّذِينَ افْتَتَحَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ ، فَانْصَرَفَ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَأَمَّهُمْ لِأَنَّهُمُ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ جَمَاعَةً ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: قَالَ قَائِلٌ: يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَيَعْتَدُّ بِمَا مَضَى . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : هَذَا عِنْدِي عَلَى أَصْلِهِ أَقْيَسُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ فَلَمْ يَضُرَّهُمْ وَصَحَّ إِحْرَامُهُمْ وَلَا إِمَامَ لَهُمْ ، ثَمَّ ابْتَدَأَ بِهِمْ وَقَدْ سَبَقُوهُ بِالْإِحْرَامِ وَكَذَلِكَ سَبَقَهُ أَبُو بَكْرٍ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَاءَ فَأَحْرَمَ ، وَائْتَمَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدِي عَلَى فَعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت