وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِجَابَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ بِحُضُورِهِ . وَالثَّانِي: فِي الْوَثِيقَةِ بِتَحَمُّلِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ تَفَرَّدَ حُضُورُهُ بِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ جَمَعَ بِحُضُورِهِ بَيْنَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَتَحَمُّلِهِ ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي مَنْدُوبٍ إِلَيْهِ كَالْبَيْعِ كَانَ مَطْلَبُهَا مَنْدُوبًا إِلَيْهَا ، وَالْمَطْلُوبُ لَهَا مَنْدُوبًا إِلَى الْحُضُورِ ، لِأَنَّهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى حُكْمِ الطَّالِبِ ، وَفِي الْوَثِيقَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الطَّالِبِ فَيَصِيرُ دَاخِلًا فِي فَرْضِ الْوَثِيقَةِ ، وَكَانَ خَارِجًا مِنْ فَرْضِ الْعَقْدِ . وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى دَيْنٍ فَهِيَ وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ طَالِبُهَا مُخَيَّرٌ فِي طَلَبِهَا ، وَالْمَطْلُوبُ بِهَا دَاخِلٌ فِي فَرْضِ تَحَمُّلِهَا . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَتَفَرَّعُ بِأَنْ يَخْتَلِفَ حَكَمُهَا بِوُجُودِ الْمُضَارَّةِ وَعَدَمِهَا ، وَوُجُودِ الْأَعْذَارِ وَعَدَمِهَا . وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُضَارَّةُ فَيَسْقُطُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ ، وَتَتَغَلَّظُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِذَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ ، قَالَ تَعَالَى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَكْتُبَ الْكَاتِبُ مَا لَمْ يُمْلَ عَلَيْهِ ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَقَتَادَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَمْتَنِعَ الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَيَمْتَنِعَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ وَهُمَا مَشْغُولَانِ مَعْذُورَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَالضِّحَاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ . وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رَابِعًا: أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْبَاطِلِ ، وَيُدْعَى الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ بِالزُّورِ فَهَذَا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ . فَإِنْ كَانَتِ الْمُضَارَّةُ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِجَابَةِ مَأْثَمٌ ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْحَقِّ . وَالثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنَ الْحَقِّ ، فَلَا يَسَعُ الطَّالِبُ أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يَسَعُ الشَّاهِدُ أَنْ يُجِيبَ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آثِمٌ إِنْ فَعَلَ .